تجربتان احتضنتهما خشبة المسرح الوطني في بغداد، تختصران الراهن الصعب في بلاد الرافدين: «حلم مسعود» يجسّد حلم العراقيين بالخلاص، و«فايروس» يصوّر الصراع بين الدخلاء وأهل البلاد


بغداد ــــ حسام السراي
لم تكن بغداد على موعد فقط مع ثلاثة تفجيرات ضربت مناطق مكتظة أخيراً، بل إنّ موعدها كان أيضاً مع تحدٍّ جديد رفعه مثقّفو العراق ومسرحيّوه من خلال عرض يؤكد معانقة البغداديين للحياة مهما كان الذي يواجهونه على مدار الساعة. المسرحيّة عُرضت الثلاثاء الماضي، أي بعد ساعات من وقوع ثلاثة تفجيرات في بغداد. مع ذلك، حضر الجمهور إلى قاعة «المسرح الوطنيّ» ليشاهد عرض «حلم مسعود» الذي اقتبسته وأخرجته الفنانة عواطف نعيم عن نصّ «كلب الجنرال» لتشيخوف.
مسرحية «حلم مسعود» التي قدمتها «الفرقة القوميّة للتمثيل» التابعة لدائرة السينما والمسرح، تحكي قصة شاب (صلاح منسي) يهاجمه كلب سفير دولة أجنبية (بريطانيا)، فيستنجد بالشرطيّ (عزيز خيون). لكنّ الشرطي يتسمّر في مكانه ما إن يكتشف هوية صاحب الكلب، فيلقي باللائمة على الشاب لأنّه مرّ في شارع كان يقف فيه هذا الحيوان الأليف! هنا، لا بد من الإشارة إلى الأداء المتميّز لعزيز خيون الذي شاركه في العرض أيضاً: سمر محمد، عدنان شلاش، فائزة جاسم، ماجد فريد، بتول كاظم، عبد الأمير الصغير، وصلاح منسي. بعد التفكير والتمحيص، يقرّر الشرطي الاعتراف بحق الضحية، لكنّه يعجز عن تطبيق القانون بسبب وجود سلطات أقوى منه، تنتهك وجوده بل تعتدي عليه هو أيضاً. وكما افتُتحت المسرحية، اختُتمت أيضاً بمونولوج للمطرب والشاعر الشعبي العراقي المعروف عزيز علي.
الفنانة العراقية عواطف نعيم اختارت تشيخوف «لأنّ كتاباته إنسانية وعميقة. يلتقط بذكاء وبحسّ عالٍ هموم الناس ويجسّدها في حكاية». أما الرسالة التي يبغي النصّ إيصالها إلى الجمهور ـــــ حسب نعيم ـــــ فهي أنه في ظل الخوف، تغيب الحقيقة «لكنّنا في داخلنا نعي الحقيقة ونخاف أن نبوح بها. هنا علينا أن نختار، فالقرار لنا في النهاية: أن نجتاز حاجز الخوف فـ«حلم مسعود» هو حلمنا نحن العراقيين كي نكون أصحاب صوت ونقول الحقيقة».
قبل يوم واحد من عرض «حلم مسعود»، عرضت «الفرقة القوميّة للتمثيل» أيضاً مسرحيّة «فايروس» التي اقتبسها الكاتب مثال غازي عن نص مسرحية «أصدقاء» للكاتب اليابانيّ كوبو آبي (1924ـــــ 1993). المسرحيّة التي حملت توقيع المخرج علاوي حسين، تحكي قصّة بيت عراقي استولي عليه في تصوير مجازي لاحتلال بلاد الرافدين. نحن هنا أمام مجموعة من الأشخاص يدخلون إلى منزل رجل (زمن علي) بحجّة الاحتماء من المطر، ويسمح لهم صاحب المنزل بالدخول. إلا أنّ العائلة سرعان ما تبدأ بممارسة عدد من الضغوط على صاحب المنزل لإخراجه من بيته والاستيلاء عليه.


المنزل العراقي مجازاً لوطن كامل تحت نير الاحتلال

وتستخدم لذلك شتى الوسائل الترويعيّة والعنفيّة. لكن في النهاية، ينجح صاحب الحق في الصمود في طرد هؤلاء الدخلاء. ربما كانت اللغة الشعرية للنص قد طغت على لغة الدراما، إلا أنّ الاشتغالات البصريّة والسمعيّة أسهمت في إيصال الفكرة إلى الجمهور.
المخرج المسرحيّ كاظم النصار يرى أنّ «عرض «فايروس» يتوافر على رؤية تقارب الحدث العراقيّ اليوم، من خلال مجموعة تقتحم بيتاً، لا تمثل بالضرورة الاحتلال الأميركي فقط، بل أيضاً احتلالات أخرى كالإرهاب الذي حصد أرواح العديد من الأبرياء».
مخرج «فايروس»، علاوي حسين، يجد في العرض «انعكاساً لواقع العراق وراهنه وما حدث فيه لاحقاً من إرهاب وقتل للإنسان العراقي وتحدّي «صاحب البيت» للمدّ الدموي على مستوى الفعل والخطاب وإعطاء فسحة الأمل لتجاوز المحن».
بينما وجد الكاتب المسرحي مثال غازي أنّ «نص مسرحيّة «أصدقاء» الذي يمثّل إرهاصات جسّدها الكاتب كوبو عن مرحلة ما بعد الحرب العالميّة الثانية وتبعات الاحتلال لليابان، يحمل مقاربة كبيرة بين واقع النص والواقع العراقي، وُظِّفت بسهولة بسبب تشابه ظروف كتابة النص مع ظرفنا الحالي، وكأنّ النص قد كتب للعراق اليوم».