الجزائر ــــ سعيد الخطيبي

قبل حوالى شهر ونصف شهر، اشترك عدد من المثقّفين الجزائريين ونظرائهم المصريين في تخليد ذكرى تاريخية عالمية. إنّها ذكرى انهيار جدار برلين، الذي فرّق، طيلة عقود، بين أبناء الشعب الواحد. وتقاطعت آراء المثقفين حول محاور التنديد بالممارسات التعسفية، والإشارة إلى سلبيات الحرب الباردة، والدعوة إلى أهمية التكتل حول مفهوم الدولة ـــــ الأمّة. كما كرّست صحف جزائرية وأخرى مصرية، مساحات واسعة للحديث عن أسباب تشييد جدار برلين وخلفياته، متفقة على ضرورة أخذ العبر من التاريخ. وتشاء سخرية القدر أن تنقلب الصورة، خلال أيّام قليلة، الصورة رأساً على عقب: تحوّل المثقفون ـــــ من الجانبين المصري والجزائري على السواء ـــــ إلى دعاة تشييد جدار عزلة ثقافية من نوع جديد، يفصل هذه المرّة بين شعبَيهما الشقيقين. جدار تبلورت معالمه بتمسك نقابة المهن التمثيليّة في «أم الدنيا» بمقاطعة مختلف النشاطات الثقافية المنظّمة في الجزائر، وتعمقت أسسه مع بيان صدر أخيراً عن «النقابة الوطنية الجزائرية لناشري الكتب»، إذ أعلنت هذه الأخيرة مقاطعة الدورة الثانية والأربعين من «معرض القاهرة الدولي للكتاب» (27 كانون الثاني/ يناير ـــــ 7 شباط/ فبراير 2010).
وجاء في بيان النقابة أنّ قرار المقاطعة يأتي بعد «التمعن» في ما وصفته بـ«التصريحات غير المسؤولة» الصادرة عن أطراف مصريين


«نقابة الناشرين» في الجزائر قرّرت مقاطعة «معرض القاهرة للكتاب»

رسميّين مسّوا كرامة الجزائريين، على خلفية مباراة في كرة القدم، جمعت بين الطرفين في الخرطوم. وأضاف بيان النقابة إن الأسباب الأخرى التي قادتها إلى اتخاذ قرار المقاطعة تتمثّل في «تجرّؤ مصريين على الطعن في صدقية الثورة الجزائرية ورموزها وشهدائها، وإقبال إحدى الهيئات النقابية المصرية على حرق العلم الجزائري علناً من دون تعرضها للمساءلة من أي جهة رسمية».
ويأتي قرار النقابة الجزائريّة ليدعم قراراً اتخذته سابقاً منشورات «القصبة» أكبر دور النشر المستقلة في الجزائر. فقد قاطعت هذه الدار «معرض القاهرة الدولي للكتاب»، مرجعةً السبب في ذلك إلى تخوفها من الظروف الأمنية، وخشيتها من التعرض لضغوط، أو ربما اعتداءات، في قاهرة المعزّ. هذا غيضٌ من فيض مما تشهده الساحة الثقافية في الجزائر من تصعيد، إذ تتكتل هيئات عدّة حول مبدأ رفض المصالحة مع مصر. لم يعد لنا سوى انتظار بروز أصوات عاقلة من شأنها إيقاف هذه المهزلة، وإسقاط هذا الجدار البليد بين البلدين الشقيقين.