في معرضه Since the End الذي تحتضنه «غاليري أجيال»، يبحث كريستيان كتافاغو (1968) عن علامات الحرب اللبنانية وآثارها وندوبها في الذاكرة الفردية والجماعية. البحث عن العلامات أو لنقل إعادة إحيائها وعرضها كعمل فني يتحقق من خلال اختراع حياة أخرى موازية للعلامات الأصلية.


الفنان والباحث والمهندس اللبناني الذي اشتغل على العمارة الحضرية والفنون البصرية، وحضرت أعماله في معارض فردية وجماعية عديدة، يستثمر اختصاصه في العمارة في الاشتغال على هيكليات وبُنى مشابهة، فيستخدم صفائح النحاس وصمودها أو قدرتها على إظهار آثار الرصاص الحي عليها. وما نراه في المعرض هو «لوحات» نحاسية تعرضت لإطلاق نار فعلي من مسدسات وبنادق سبق أن استُخدم مثلها في معارك الحرب اللبنانية وما تلاها من حروب واشتباكات لم تتوقف في زمن «السلم الأهلي البارد»، بحسب عنوان كتاب لوضاح شرارة.
الصفائح معروضة بقياسات متقاربة، لكنها تُظهر أشكالاً مختلفة للأثر الذي تركته الطلقات على سطوحها المعدنية، مع إضافات أخرى مثل الخدش المباشر أو استخدام الأسيد لكسر التشابه العام للصفائح، وهو ما يجعلها تبدو مستعملة وقديمة إلى حدّ ما.


الخطاب الجوهري هو سياسي وسوسيولوجي وثقافي

في واحدة منها، يشير الفنان إلى خطين عريضين ينقطع أحدهما ويستمر الثاني، في دلالة على إحالة رثائية لوالدته، بينما في أعمال أخرى لا تظهر هذه الإضافات بشكل واضح وتكاد تختفي تقريباً. كأن الأعمال التي تنتمي بقوة إلى حقل الفنون المعاصرة وخطاباتها تحاول أن تجد لنفسها بقايا وتفاصيل صغيرة في «فن اللوحة»، إلى جانب كونها معلقة ومعروضة على شكل لوحات فعلاً.
الخطاب الجوهري فيها هو خطاب سياسي وسوسيولوجي وثقافي، ولكنه مترجم على شكل تنظير وبحث تطبيقي في تقصّي أثر الحرب. ما فعلته الرصاصات بالصفائح النحاسية يذكرنا بجدران الأبنية المدروزة برصاص الحرب. استخدم الفنان ثلاث زوايا لتظهير هذه الآثار؛ فلتسديد مباشر وبشكل مستقيم جعل الطلقات تخترق المعدن، وللتسديد بشكل مائل جعلها تنحرف أثناء اصطدامها بالسطح المعدني وتصنع التواءً منزلقاً عليه، بينما التسديد على صفائح ثخينة أكثر جعل الطلقات تكتفي بصنع حدبات دائرية في الجهة الأخرى من المعدن. بعض الأعمال عليها آثار طلقات قليلة مبعثرة، دلالة ربما على أنها طلقات طائشة، بينما تحمل أعمال أخرى رشقات متتالية تدل على إطلاق نار محدد الهدف. الآثار تقترح أيضاً أن نتخيل ما فعلته بالأجساد البشرية في الحرب. المعرض استعارة أو محاكاة معاصرة لندوب الحرب التي استمرت، بعد توقفها، كرضّة نفسية واجتماعية داخل الوعي اللبناني، ولكن الأعمال لا تكتفي بهذه الانطباعات التوثيقية والبنيوية، بل تقترح علينا جمالياتٍ قاسية تستحق أن نمتدح تأثيرها كأعمال فنية صافية ومُعفاة من أطروحتها السياسية والتاريخية أيضاً.


Since the End: حتى 26 تشرين الأول. «غاليري أجيال» (الحمرا) ـ للاستعلام: 01/345213