بغداد | جاء خبر رحيل الشاعر العراقيّ مؤيّد الراوي من محل اقامته في برلين أمس الجمعة، مفجعاً لمحبّيه ومتابعيه في العراق وفي المغتربات التي يتوزّع فيها مثقفون وفنّانون من بلاد الرافدين، ممّن عرفوا الراحل واقتربوا من سيرته ومحطّات حياته الصعبة.


الراوي (1939- 2015)، من مواليد كركوك، عدّ من أبرز شعراء جيل الستينات في العراق، ومن الذين نشطوا ضمن «جماعة كركوك الأدبيّة». غادر العراق 1969 صوب عمان ثمّ بيروت، ومن ثمّ سافر إلى برلين للإقامة فيها منذ عام 1980، صدر له في الشعر: «احتمالات الوضوح» (1977 ــ عن مطابع مجلّة «فلسطين الثورة»- بيروت)، و»ممالك» (2010 دار الجمل- بيروت).
وفي ديوانه الأوّل، نجد نماذج جريئة ومهمّة من قصيدة النثر، يمكن القول معها إنّ مبتكرها سبّاق في تقديمها من بين شعراء كثر عرفتهم الساحة الأدبيّة العراقيّة والعربيّة أيضاً. صحيح انّه تأخّر كثيراً في إصدار ديوانه الثاني، لكنّ من قرأ «ممالك» الراوي، يعرف عمقه وقيمة الكتابة لديه، حيث الجزالة وقوّة الصياغة، تقف في الخلف منها عمليات حذف وتأنٍ وإعادة كتابة. كلّها تكوّنت بفعل تجارب حياتيّة قاسية عاشها الشاعر، مع معرفة صاغها نأيه عن كرنفالات «حبّ الظهور» في الساحة الثقافيّة، فهو لم يكن حتّى مهتماً بالنشر في صحيفة أو في ملحق أدبي. صار وحيداً بتأمّله الطويل، ولنلاحظ هنا الفرق بين عامي إصدار مجموعتيه، إذ تصل الفترة إلى ثلاثة عقود وأكثر، إلا أنّ ذلك لم يمنع من أن ينال كتابه الثاني الاهتمام والاحتفاء الكبير بشكل فاق شعراء مجايلين له، وآخرين أتوا بعده، ممّن لهم حضور دائم في مواقع التواصل الاجتماعيّ وفي المنابر الصحافيّة المعهودة.
هنا مقطع من قصيدة «ممثّلون» (ديوان ممالك)، نستدلّ به إلى قيمة المعنى في البناء الفنيّ لنصوصه: «العالمُ غرفةٌ/ تصغرُ وتكبرُ مثلما يرادُ لها/ تتحوّلُ بإشارةٍ من الغيبِ إلى احتفال/ تُذبحُ فيها الذبائح؛/ ساحة مَسلخٍ والقصابونَ فيها مُجدّون/ يمنحونَ الضحايا وثائقَ البراءة،/ لا تفيدُ النواياـ كلّ فريسة مدموغة بالقدر./ يحفرُ الممثّلُ في هواجسهِ القديمة/ ليعثرَ له في عمق مَن راكمَ الحكاية/ شهوداً يطرقونَ الأبواب،/ وعلى مائدةِ قلبهِ المحترقِ يستضيفُ الأسلافَ:/ رواةٌ ـ رواةٌ غاضبونَ يستحضرونَ الوقائعَ/ يسلخونَ الجلدَ ويفقأونَ العيون..».
نعاه مثقفون وكتّاب من داخل العراق وخارجه، ومن ذلك ما كتبه الروائي حسين الموزاني: «أصبح اسمه جزءاً من الأسطورة العراقيّة الحديثة. كان متوقد الذهن دائماً ومجادلاً عنيداً ومطلعاً على الكثير من الأسرار والخفايا السياسيّة والاجتماعيّة. وسنفقد برحيله بالتأكيد أحد أهمّ أعمدة ثقافة المنفى العراقيّ وأبرز ممثّليها على الإطلاق».
رحل مؤيّد وعينه على العراق، فهو لم يملّ من ملاحقة أخبار بلده وتتبع مسارات الأمل التي تضيق أيّاماً وتعود لتتّسع في ساعات قلائل، لكنّه المرض الذي فتك به وأضعف بصره كثيراً، ليأخذه بعيداً إلى ممالك الصمت ومنفى الغياب الأخير.
أخيراً، هل نحلم؟ وأحلامنا كلّها هلوسة مجانين لا يبصرون قتامة الواقع، بأن يسمى شارع في مدينته كركوك، باسمه، أو أن تحمل مكتبة عامّة اسم هذه التجربة المتمرّدة والفذّة، ربّما ذلك بعيد في وطن البيروقراطية والبترول.