عبد الإله الصالحي

لم يكن أحد يتصوّر أن يكون عام 2009 بهذه القتامة بالنسبة إلى الصحافة المغربية المستقلّة. بدا واضحاً ـــــ حتى عند المتفائلين ـــــ أن هناك قراراً اتخذته السلطة يقضي بـ«إخصاء» المنابر المستقلّة عقاباً لها على الجرأة التي تميّزت بها في السنوات الأخيرة.
هكذا أصدر القضاء حكماً ضدّ عدد من الصحف أبرزها «المساء»، وهي اليومية الأكثر انتشاراً في المغرب. كذلك حُكم على مدير تحرير أسبوعية «المشعل» إدريس شحتان بالسجن لسنة، إضافةً إلى الأسلوب البوليسي الذي جرى التعامل به مع صحيفة «أخبار اليوم»، وحجز مقرها حتى الساعة من دون أيّ سند قانوني. أ
ما الحجة، فهي نشرها رسماً كاريكاتوريّاً يسيء إلى العلم الوطني وأحد أفراد العائلة المالكة.
طبعاً، لا يمكن أن ننسى حجز وإتلاف عددَي الصيف الماضي من مجلّتَي «نيشان» و«تيل كيل» بحجة نشرهما استطلاعَ رأي عن الملكية. هكذا وفي خلال سنة، جرى الإجهاز بسرعة خيالية على مكتسبات الصحافة الجديدة في المغرب في حرب شعواء غير متكافئة إطلاقاً بين الدولة والصحافيين.
وإذا كانت الذريعة وراء اضطهاد الصحف في المحاكم هي «المس بالملكية» فإن المراقبين يرون أنّ الأمر يعود إلى تحوّل الصحافة المستقلة إلى عنصر مزعج ومؤثِّر في الرأي العام.
إضافةً إلى أن تطورها النوعي والمهني جعلها تفلت من سيطرة الدولة، وضاعف من قدرتها على المشاكسة في سياق سياسي ضعفت فيه الأحزاب يساراً ويميناً، وتدنّت شعبيّتها بعدما فقدت صدقيّتها لدى المواطن.


حذارِ المسّ بأفراد العائلة الحاكمة!
وتبقى المفارقة في أنّ هذه الصحافة المستقلة ـــــ بإنجازاتها وإخفاقاتها ـــــ كانت ملازمة لما درج على تسميته «العهد المغربي الجديد»، الذي انطلق قبل عشر سنوات بوصول الملك الشاب محمد السادس إلى العرش. بل إن هذه الصحافة كانت حجر الزاوية في بناء العهد الجديد وطيّ صفحة سنوات الرصاص والقمع التي ميّزت عهد الملك الراحل الحسن الثاني. حتى إن المغرب صار مثالاً عربياً في حرية الصحافة والتعبير.
وبفضل جيل جديد من الصحافيين، برز عدد من الصحف والمجلات التي أخذت على عاتقها تنوير القارئ بلغة جديدة، والترويج لقيم الديموقراطية والحداثة والشفافية من خلال التحقيقات
المُحكمة.
ولكن هذا الدور الإيجابي، الذي خدم البلاد ولمّع صورتها داخلياً وخارجياً، لم يشفع للصحافة، والضربات المميتة التي تلقّاها هذا الجسم الإعلامي الفتي وضعته بين سندان هشاشة الحرية، ومطرقة تحوّلها إلى شعار فارغ على الطريقة التونسية.