المأساة العراقيّة على مسرح نيويوركي


نيويورك ـــ سنان أنطون*
رغم مرور أكثر من ستِّ سنوات على بداية الغزو الأميركي للعراق، بقي الموضوع بعيداً عن المسارح الأميركيّة. قبل الأزمة وانتخاب أوباما، كانت المسرحيات التي غامرت بالحديث عن حرب العراق نادرةً، تتطرق حصراً إلى تأثير الحرب في الجنود الأميركيين العائدين إلى عائلاتهم.
تناولت مسرحيّة “خانوهم” (Betrayed ــ 2008) التي اقتبسها الصحافي الأميركي جورج باكر عن مقالة نشرها في مجلة “ذا نيويوركر”، محنة المترجمين العراقيين الذين يرافقون قوات الاحتلال. وتخلّل المسرحية، غير المتميزة فنياً، نقدٌ لـ“خيانة” أميركا للعراقيين الذين تعاونوا معها، وعدم منحهم اللجوء السياسي. لكنَّ الخطاب المسرحي لم يشكك في أهداف الحرب ـــــ فباكر مِن الذين أيّدوا الحرب في بدايتها ـــــ وعزا فشل المشروع الأميركي إلى تعقيدات المجتمع العراقي وتاريخه الدامي، أو نقص التخطيط والمعلومات من جانب المحتلينمن بين الاستثناءات القليلة، عرض “أمور كهذه تحدث” (Stuff Happens ــ 2006) التي كتبها دايڤد هير، مقتبساً عنوانها عن مقولة وزير الدفاع الأميركي السابق دونالد رمسفيلد، تعليقاً على انتشار الفوضى والسلب في بغداد في 11 نيسان (أبريل) ٢٠٠٣. اعتمد العمل على مقولات وتصريحات ومحاضر لقاءات بين السياسيّين الأميركيّين والبريطانيّين وغيرهم، قبيل الحرب وأثناءها، مع إضافات المؤلف. معظم شخصيات العرض كانت سياسيين غربيين، باستثناء أستاذ عراقي يندِّد بالحصار وبالنفاق السياسي الغربي (أدّى دوره ببراعة الممثل الفلسطيني وليد زعيتر). مسرحية هير بريطانية المنشأ وعرضت في “المسرح الملكي” عام ٢٠٠٤ قبل أن تنتقل إلى نيويورك ومدن أخرى.
أما مسرحية “آثار” (Aftermath) التي عُرضت أخيراً في “مسرح نيويورك” (إخراج جيسيكا بلانك وإعدادها مع زوجها إيريك جنسن) فتركّز على محنة اللاجئين العراقيين في البلدان المجاورة. سبق للثنائي بلانك وجنسن أن أخرج مسرحية مشابهة تعتمد الأسلوب التوثيقي بعنوان “المبرّأون” (The Exoneratedــ ٢٠٠١) عن المساجين الذين حكموا بالإعدام، بناءً على اعترافات تحت التعذيب وغالباً لأسباب عنصرية، ثمّ جرت تبرئتهم لاحقاً. جال الاثنان في الولايات المتحدة خلال صيف ٢٠٠٠ ليقابلوا هؤلاء المبرّئين، ويستخدموا قصصهم مادةً أساسية لنص المسرحية، التي لاقت نجاحاً كبيراً، ونشرت ككتاب فيما بعد.
في صيف ٢٠٠٨، زارا الأردن للقاء اللاجئين العراقيين، وتسجيل حكاياتهم. بعد ترجمتها وغربلتها، كوّنت تسع شخصيات/ مقابلات نواة النص. معظم الشخصيات من الطبقة المتوسطة، تتنوّع خلفياتها في محاولة جادّة لعدم تبسيط العوامل والأسباب التي دفعت بها إلى الخروج من العراق. هناك الصيدلاني الفلّوجي، الذي عُذِّبَ ابن أخته، وقتله مرتزقة “بلاك ووتر”. وهناك المخرج المسرحي من الموصل، الذي تعرّض لتهديدات بالقتل بسبب مسرحياته. وهناك الطبّاخ الشيعي الذي رفض أن يعمل مع ميليشيا شيعيّة، أرادت منه أن يتجسّس على جاره السنّي. وحين رفض، حاولت قتله. وهناك السيدة المسيحيّة، التي تشوّهت في انفجار وفقدت كل أفراد عائلتها. وهناك إمام مسجد من الأعظمية اعتُقِل، وعذّب في سجن “أبي غريب”، لأنّ حرّاس المسجد كانوا يحملون أسلحة، مع العلم أنها كانت مرخّصة من جانب وزارة الأوقاف، ومن جانب الأميركيّين أنفسهم. السينوغرافيا بسيطة: خلفية سوداء ومصاطب تجلس عليها الشخصيات في مواجهة الجمهور، تحكي له عن ماضيها، وتريه صورها العائلية، وتدعوه إلى كوب شاي، ما أضفى حميميّة استثنائية. فقلّما يتسنّى لأميركي أو أميركيّة أن يستمع إلى كلام


تميّز العرض بلحظات ذات شحنة عاطفية عالية جعلت بعض المتفرجين يجهشون بالبكاء


عراقي أو عراقية من دون تأطيرات فجّة أو اختزال وتسطيح. وعملت شخصية المترجم (الذي ترجم الحوارات بين اللاجئين والمخرجين)، همزة وصل بين الشخصيات الأخرى وبين الجمهور، حيث كان يضيف بعض المعلومات عن السياق التاريخي أو عن الخصوصيات الثقافية.
نجح العرض الدرامي/ الوثائقي في إظهار جرائم الاحتلال، لكن من دون أن يقلِّل من تأثير الديكتاتورية على النسيج الاجتماعي. مع ذلك، كان هناك الكثير من الحنين إلى “زمن الخير”. استخدم الممثلون، بين حين وآخر، بعض الكلمات من المحكية العراقية؛ فنصفهم من أصول عربيّة أو شرقية. تميّز العرض بلحظات ذات شحنة عاطفية عالية جعلت بعض المتفرجين يجهشون بالدموع. وقد برع الممثل ديموسثيناس كريسان (Demosthenes Chrysan) في إظهار مزيج الغضب والحزن والكبرياء في شخصية إمام المسجد. يقول للمخرجَين بصراحة: “هناك ثمن سيدفعه أحفادكما لأحفادنا”. وعندما يعتذران منه نيابةً عن مواطنيهما، يقول للمترجم: “أنا أشكرهما على هذه المشاعر، لكن هناك أخطاء لا يكفي معها الاعتذار”. مثّلت “آثار” فرصة لاستضافة أحزان شريحة من اللاجئين العراقيين، لساعة ونصف ساعة. ولأن المخرجَين لا يريدان أن يُسدل الستار في أميركا على مأساة المدنيين العراقيين، يحرصان على إجراء حوار مفتوح بعد كل عرض، يجمعان التبرعات، ويرسلان نسبة من المدخول إلى المؤسسات التي تُعنى باللاجئين العراقيين.

* شاعر وروائي عراقي