تونس ــ سفيان الشورابي

يومها، كانت أولوية بناء الدولة وتمتين الوحدة الوطنية على رأس اهتمامات النظام الفتيّ، وذلك على حساب تحرير الحياة السياسية. أفرز هذا التوجه هيمنة الحزب الواحد على مختلف القطاعات بما فيها الإعلام. غير أن مركزية الإعلام كقاطرة لعملية التنمية لم تُخفَ على بورقيبة، الذي كانت له تجارب في الكتابة الصحافية حين كان في موقع مقاومة الاستعمار. وكان يرى أن دور الإعلام يقتصر على تحقيق النهضة، وتخليص العقول من التخلّف الفكري والثقافي. عاضده في ذلك إصدار قانون الصحافة عام 1975، الذي طغى عليه الجانب الزجري والعقابي (مثلاً، يضمّ 14 فصلاً تتيح سجن الإعلاميّين). قانون ـــــ رغم التعديلات التي طرأت عليه مراراً ـــــ لا يزال حتى اليوم سيفاً مصلتاً على رقاب الصحافيين.
لكنّ الحراك الاجتماعي وضغط النخب داخل الحزب الحاكم وخارجه دفعا بورقيبة في تلك الفترة إلى «تنفيس» الأجواء. هكذا، رخّص لصحيفة «الرأي» المستقلة عام 1977 وأجاز لحركات المعارضة إصدار صحفها من دون أن ينزع عن نفسه الطبيعة الاستبدادية. ونذكر في هذا الإطار تصريح لبورقيبة عن أنّ «الإعلام الذي معي يجب أن يساندني، لكن نقبل إعلام المعارضة».
في الثمانينيات، تغيّر الوضع وشهدت تونس طفرةً إعلامية نوعية وكمية في المشهد الإعلامي المكتوب بينما بقي التلفزيون والإذاعة الرسميان يردّدان الخطاب الخشبي نفسه للحزب الحاكم. ويقول محمد حمدان في هذا الصدد: «رغم التطور السياسي والتعددية الحزبية في تونس، واصلت السلطة استغلال قانون الصحافة بهدف خنق حرية التعبير». قانون أتقن استعماله زين العابدين بن علي للانقلاب على النسمات الباقية من الحرية عبر انقلابه الشهير عام 1987 لتعود الخارطة الإعلامية في تونس إلى ما كانت عليه خلال ولاية بورقيبة: تصحّر وتدجين وكمّ أفواه بالجملة.