ياسين تملالي

نُشر آخر كتب الصحافي توفيق بن بريك «لن أرحل» في الجزائر (دار الشهاب) عام 2008 لاستحالة صدوره في تونس. مؤلّفه هو أيضاً معارض سياسي، يتذكّر الجميع إضرابه عن الطعام عام 2000، مطالباً بوقف «العسف البوليسي» ضدّه. منذ ذلك الإضراب، ما انفكت السلطات التونسية تَدفع بن بريك إلى الهجرة، بل شمل تعسفها أفراد عائلته كأخيه جلال، الذي منعته من مزاولة عمله كمحام. يقول الكاتب في مستهل الفصل الثاني من كتابه: «في تونس، أحسّني عرّاباً صقلّيّاً سجيناً غير أنه لا رغبة لي في العيش في المنفى. أنا متيّم بتونس. فيها لا أجدني مجبراً على اختلاق قصص لشدّ انتباه الآخرين». من هذا المنطلق، يمكن اعتبار «لن أرحل» صرخة تحدّ للنظام، وتلميحاً ساخراً إلى مَن فضّل من أقطاب المعارضة الهجرة على العيش في سجن السلطات الكبير.
«لن أرحل» هو أيضاً دليل سياحي من نوع خاص، لا أثر فيه لآثار قرطاج، يروي تونس من وجهة نظر ذاتية تمتزج فيها المحبّة العارمة لبني الوطن بالسخرية بسبب رضوخهم لمصيرهم. دليل يصف من تونس جوانبها القاتمة المخفيّة: فقر الأحياء الشعبية المدقع والاستلاب الاستهلاكي للطبقات الوسطى «العيش بفضل القرض هو ثمن قبول التطويع السياسي. ليس هناك من تونسي واحد لا يشعر وهو يرتاد السوبرماركت بأنه يستهلك في الحقيقة حريته».
في «لن أرحل»، تنكسر الصورة النمطية عن الضواحي السياحية. سيدي بو سعيد ليست صفوفاً من الفيلّات الزرقاء المطلّة على البحر فحسب، هي أيضاً منازل متخفّية يشرب فيها الصعاليك النبيذ الرخيص، ويقرأون روايات محظورة. أمّا الأحياء الشعبية، فيكفي لاكتشاف أسرارها أن نطرق أبوابها متمترسين بشجاعة الصحافي، ولا تبدو أساطيرها، رغم حداثتها، أقلّ عتاقة من أساطير قرطاج.


المعارضة بين نظام قمعي وخوف التونسيّين
يصف الكاتب تونس بنبرة حنين إلى ما كانت عليه يوم كانت الحياة لا يكدّرها البوليس، ولا إغواءات المجتمع الاستهلاكي. يقول: «كانت آخر حفلة في تونس مأتماً. أطل الصبح على مدعوّي قصر قرطاج كالكفن، فأنار سحنات شاحبة كالشمع». قصر قرطاج هو القصر الرئاسي، والصبح المذكور هو 7 تشرين الثاني (نوفمبر) 1987، الذي استولى فيه الجنرال بن علي على السلطة، عازماً على «قطع أعز أعضاء التونسيين عليهم: ألسنتهم».
منذ ذلك اليوم، لم تعد للحياة في المدينة من لذّة سوى لذّة الهروب منها. ظلّت الأحياء الغنية تتحول إلى أسواق كبيرة تغرق فيها الطبقات الوسطى أسفها على العهود الماضية. أما الأحياء الشعبية، «فلولا صراخ أطفالها، لما استحال تشبيهها بالغولاغ الستاليني» يقول توفيق بن بريك. أما رغبة المعارضة في التغيير، فلا تصطدم بجهاز النظام القمعي فحسب، بل أيضاً بجدار الخوف، الذي غزا قلوب التونسيين.
تأرجح التونسيين بين التفاؤل والتشاؤم هو ما يسمّيه الكاتب «التشاؤل». ولا يترفّع هو ذاته عن اعتبار نفسه من «المتشائلين». فهو يسكن ضاحية لا يتكلّم فيها الجيران سوى عن الجوّ والسيارات. إلّا أنه «ككل التونسيين، يحتفظ في أحشائه بألف غضب» يُساعده على النجاة بنفسه من رغبة جامحة في الرحيل.


◄ قبل أسبوعَين، تعرّض الصحافي التونسي في موقع «إيلاف» إسماعيل دبارة لتهديد من جانب بعض المجهولين، الذين طلبوا منه أن يتوقّف عن الكتابة، وإلّا فإن عقابه سيكون وخيماً.

◄ في وقت كانت فيه الناشطة والصحافية المستقلّة سهام بن سدرين تهمّ بالدخول إلى قاعة المحكمة، التي تجري فيها محاكمة الصحافي زهير مخلوف، دفعها بعض الأشخاص المجهولين، ومنعوها من الدخول.

◄ منعت السلطة التونسية الإعلامية الفرنسية في «لو موند» فلورانس بوجي، من الدخول إلى تونس، وأجبرتها في المطار على العودة إلى بلادها.

◄ تشكو صحف تونسية معارضة ومستقلّة من كثرة الدعاوى المرفوعة ضدّها، وغالباً ما تقف السلطة خلفها. وأبرز هذه الصحف، جريدتا «الموقف» الناطقة باسم «الحزب الديموقراطي التقدمي»، و«مواطنون» الناطقة باسم «التكتل الديموقراطي من أجل العمل والحريات».

◄ تعرّضت صحيفة «الطريق الجديد» التونسية لسلسلة مضايقات أثناء فترة الانتخابات التشريعية والرئاسية الأخيرة، منها سحب أحد أعدادها الأسبوع الماضي، إضافةً إلى حجب أكثر من عدد خلال الحملة الانتخابية. يذكر أنّ هذه الصحيفة ناطقة باسم «حركة التجديد» أي «الحزب الشيوعي التونسي» سابقاً.

◄ قام رجال النظام التونسي والصحافيون التابعون له في شهر آب (أغسطس) الماضي، بما يشبه الانقلاب على المكتب التنفيذي لـ«نقابة الصحافيين التونسيين»، فهمّشوا كلّ الصحافيين المستقلّين، وتحوّلوا اليوم إلى الممثّل الرسمي للصحافيين عند السلطة.

◄ تحلّ تونس في المرتبة الـ154 من أصل 175 بلداً في الترتيب العالمي لحرية الصحافة، بحسب «مراسلون بلا حدود». وتأتي كلّ دول شمال أفريقيا في مراتب متقدّمة على تونس، باستثناء ليبيا، التي تحتلّ المرتبة الـ156.

◄ تعاني مجموعة من المنظمات الناشطة في مجال حقوق الإنسان وحرية الصحافة، مضايقات مستمرّة من جانب السلطة التونسية. وبين هذه الجمعيات «الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان» التي تشهد منذ فترة حصاراً لمقرّها، ويُمنع الناشطون من دخول مكاتب الرابطة. وتشكو منظمات أخرى من تضييق مشابه، منها «المجلس الوطني للحريات»، و«جمعية حرية وإنصاف»، و«المنظمة الدولية لمساندة المساجين السياسيين».