جايمس مارش خطف أنفاس الكوكب في «رجل على حبل» (2008)، فاتكاً بأوسكار أفضل وثائقي عن جدارة. وثّق المغامرة المجنونة للفرنسي فيليب بوتي، الذي سار على حبل بين بنائي برج التجارة العالمي في نيويورك عام 1974. «جريمة» وخرق فاضح للقانون، تناوله السينمائي الإنكليزي في شريط تكريمي محكم، زاخر بالتشويق والإثارة. بعد سبع سنوات، تصل النسخة الروائية من «جريمة القرن الفنيّة» التي اقترفها بوتي مع عدد من الشركاء.


مَن أفضل من روبرت زيميكس ليتصدّى لهوس فردي كهذا؟ المخرج الأميركي يحبّ من يجابه المستحيل بدم بارد. يذهب معه خلال الرحلة الشائكة وما بعدها، بعكس كثيرين يتوقفون عند الذروة من باب الإحكام التشويقي. ثلاثية «العودة إلى المستقبل» و«فورست غامب» (1994، أوسكار أفضل مخرج) و«كونتاكت» (1997) و«كاست أواي» (2000) أمثلة عالقة في الذاكرة السينيفيليّة. بعد أفلام متفاوتة عدة، يعود زيميكس بشغل كبير. الرجل لم يعد مضطرّاً للعراك مع الاستوديوهات الكبيرة، كما في أفلامه الأولى المثيرة للجدل الإنتاجي. يجد نفسه ميّالاً لتقديم بوتي كما يراه، في أوّل اقتباساته البيوغرافيّة. يعوّل على إنضاج ما لم يُقدّم ساخناً في نسخة مارش الاستثنائية: الجانب الشخصي، والأرشيف الوافي لدقائق «السير» بين التوأم الإسمنتي المهيب. هكذا، ينصّب جوزيف غوردن ليفيت فوق تمثال الحريّة، ليروي قصّة الدور الذي يلعب. ليس روياً ذكيّاً كما في «فورست غامب»، بل تعليق استعراضي متحذلق في كثير من الأحيان.


المخرج الأميركي شيطان في الإبهار والخداع البصري


يعود إلى نشأة بوتي، وولعه بالسيرك وألعاب الخفّة. طرده من بيت العائلة، لأنّ «الجزر قد نضج». لقاؤه بحبيبته والعنصر الأوّل في فريقه «آني» (شارلوت لو بو). الهوس بالفكرة «المتطرّفة»، وتفاعلها داخله. تعلّم أسرار المهنة من لاعب السيرك العتيق بابا رودي (بين كينغسلي).
بوتي يحسم أمره. يبدأ بجمع فريقه في باريس. إعداد يمرّ عليه السيناريو ببرود وهشاشة غير مبرّرة (اقتباس زيميكس وكريستوفر براون، عن كتاب «لتصل الغيوم» لفيليب بوتي نفسه). يجهد نفسه في تبرير لغة الحوار، فيحار بين الإنكليزية والفرنسيّة مع لكنة ليفيت المضحكة. هنا، لا يبدو بذكاء جايمس مارش الذي أنجز فيلم «سرقة» أمسك بتلابيب المتفرّج حتى النهاية.
باستثناء حلول زيميكس البصريّة، يمكن القول إنّ النصف الأوّل من الفيلم مخيّب بعض الشيء. يتحسّن الحال في نيويورك. مرحلة التجسّس والوصول إلى سطح المبنى متقنة. توتر يحبس الأنفاس في كلّ التفاصيل والخطوات. يصبح لشركاء بوتي بعض المعنى، بعدما كانوا مجرّد أشباح. مع ذلك، لم يتم استثمارهم كما يجب حتى النهاية. هنا، يكشّر زيميكس عن كامل أنيابه في الأفلمة، متفوّقاً على نفسه في المؤثّرات وحركة الكاميرا (الجزر قد نضج في الشريط أيضاً). يتحوّل إلى لاعب خفّة مثل بطله. هو بهلوان في اختيار الزوايا. شيطان في الإبهار والخداع البصري. أكروباتيّة في «الميزانسين» والتقطيع. توظيف مذهل لتقنيات «سي جي آي» و«ثري دي» و«آي ماكس». زيميكس يضعنا على الحبل بقسوة هيتشكوكيّة. يصيبنا بدوار المرتفعات من دون رحمة. يتوهّج في ترميم الفقر الأرشيفي لرحلة بوتي الوجوديّة. يتفنّن في مرافقة بطله المتأرجح بين السماء والأرض. دعونا لا ننسى أنّ زيميكس من مدلّلي ستيفن سبيلبرغ (أنتج له أفلاماً عدة)، ومقرّب من بيتر جاكسون. بوتي هو عباس بن فرناس العصر الحديث. مسيح يمشي على الهواء، شاقاً الطريق بعصا التوازن إلى برجي تجارة. ما هو دافعه لكلّ ذلك؟ يعود الشريط إلى تصريحه الشهير بعد النزول عن الحبل: «لا يوجد لماذا». جوزيف غوردن ليفيت ينجح في بثّ روح صاحب الاسم الأصلي. هذا عام الشخصيات الحقيقية في فيلموغرافيا الممثّل الأميركي، مع «سنودن» أوليفر ستون الذي تأجّل إلى العام المقبل. «ذا ووك» يعيد الاعتبار لذكرى «جريمة القرن الفنيّة». يثبت أنّ الفن قادر على نفخ الروح في كتل الاسمنت، حين تسنح الفرصة. بعدها بربع قرن، سيدكّها مختلّ بطائرات مدنيّة، محققاً «جريمة القرن الإرهابيّة».

The Walk: صالات «أمبير» (1269)، «غراند ضبيه» (04/444650)