حين قرّر كارلوس شاهين عرض النسخة اللبنانية من عمل أنطون تشيخوف الأخير، جوبه بردات فعل غير مشجعة، بحجة أن اللبناني المنهمك بيومياته يحتاج إلى التمويه والتسلية. على عكس هذا الرأي، يشكل نصّ تشيخوف الذي كتب بين عامي ١٩٠١ و١٩٠٤ نصاً كلاسيكياً ونموذجياً للحالة اللبنانية.


عاشت هذه الأرض ولا تزال تعيش حتى اليوم التحولات والتبدلات الطبقية أكانت إقطاعية مقنّعة أم غير ذلك، أكنا نتحدث عن قدامى الأرستقراطيين أم عن متسلقي السلطة الجدد أو البورجوازية الحديثة التي تخطت البورجوازية الكلاسيكية أو شخصيات حالمة بالتغيير. من هنا، يبدو هذا العرض الذي يحتضنه «مسرح المدينة» (الحمرا ــ بيروت) حتى 22 تشرين الثاني (نوفمبر) راهناً ومألوفاً بعض الشيء. قام كارلوس شاهين بلبننة «بستان الكرز» الروسي الذي تحدث عن تبدل حالة الطبقات الاجتماعية المتعارف عليها في القرن التاسع عشر. استبدل الأسماء الروسية بأخرى لبنانية؛ لوباخين التاجر الروسي حديث النعمة أصبح سليم (علي سعد)، الرجل الذي كان فقيراً وأصبح مدير أعمال عائلة الشيخة ليلى (الإقطاعية رانيفسكايا لوبوف في النص الأصلي/ رندا أسمر) التي تملك بستاناً كبيراً من الكرز تضطر إلى بيعه في نهاية المسرحية. الشيخة ليلى مسرفة في الصرف رغم معرفتها أن الأمور تبدلت، ساعيةً للحفاظ على السلوكيات التي اعتادتها. تقنع ابنتها بالتبني فيولات (فانيا في النص الأصلي/ كارول الحاج) بالزواج بلوباخين، رغم أنّ سليم يبدي اهتماماً بها تسقطه دوماً رغبته في اقتناص عمل جديد أو فرصة تحصيل أموال جديدة. في سياق متناقض مع شخصية سليم، نجد شخصية الشيخ كميل (جايف في النص الأصلي/ كارلوس شاهين) الحالم والمفتون بنفسه وبأحلامه وأفكاره التي قد تشكل بسبب طوباويتها أحياناً طبقةً عازلة عما يجري في مجتمعه، فيكتفي بتنظير ينتهي غالباً بإسكاته من قبل سامعيه.


نص كلاسيكي قدمه
المخرج بأناقة وتحديداً في ما يتعلق بالسينوغرافيا

حفلت شخصيات العرض برمزيتها ودلالاتها الاجتماعية السياسية. سعيد (ياشا في النص الأصلي/ فؤاد يمين) الذي يلعب دور الخادم يمثل شخصية الرجل الطفيلي الذي يسعى إلى تملق الجميع ويكمن هدفه في تقليد العائلة الأرستقراطية. هنا تجابهه شخصية بطرس (تروفيموف ــ جوزيف زيتوني)، المعلم والتلميذ، الحالم بتغيير جذري على الصعد كافة. ينتهي العرض بشراء سليم للأرض وبإزالة البستان لصالح تشييد مبان يتم تأجيرها، وبسفر العائلة سعياً نحو غد أفضل من دون أن يتبدل شيء حقيقي. البورجوازية تتسلم السلطة: تبقى الأمور على حالها، الشيخة ليلى تعود إلى باريس حيث يعيش زوجها الذي أفقدها كل أموالها سابقاً، فيما يبقى مصير فيولات معلقاً، والشيخ كميل ما زال مفتوناً بنفسه وهكذا.
كما في معظم نصوص تشيخوف، يركز الكاتب على نزع الدلالات من اليوميات البسيطة للناس. هذا النص الكلاسيكي في مضامينه، قدمه كارلوس شاهين بأناقة، وتحديداً في ما يتعلق بالسينوغرافيا (غيدا حشيشو) التي اعتمدت على استخدام السجاد بشكل خلاق متحوّل وجميل، وبالتصميم الصوتي (شريف صحناوي) وتصميم الأزياء. أما من ناحية الأداء، فلم يكن كافياً لبننة الأسماء للبننة العرض، إذ يلحظ المشاهد أن سلوكيات سائر الأفراد كانت كأنها تتبع نمطاً معيناً في الأداء وفي الانفعال يبدو غريباً علينا: كما لو أننا ننفعل ونحزن على موسيقى باخ. كما لو أننا نفرح ونلعب بأدوات لا تشبه أدواتنا.
كان الأداء فاتراً وباهتاً كما لو أن المخرج أراد أن يخلق تبايناً بين كل لحظات العرض واللحظة المفصلية حيث تمر عابرة السبيل مفرطة الفقر بثيابها الممزقة فتلقي السلام على بطرس، ناعتةً إياه بشقيقها، ثم تتوجه إلى فيولات لتطلب مساعدتها فتفزع تلك الأخيرة. كانت تلك اللحظة الأجمل في العرض بالإضافة إلى لحظات خروج وعودة الخادم فارس (فيرس في النص الأصلي ــ حسام صباح). روى كارلوس شاهين في كلمته في مطوية العرض أن «مسرحية بستان الكرز هي مرحلة العبور من عالم الطفولة إلى معترك الحياة. إن بساتين الكرز لم يعد لها وجود في الواقع، إنما نحن نصر على وجودها في مكان ما في حياتنا ونتعامل معها أحياناً على أنها حقيقة». كما لو أن صورة بساتين الكرز لشدة ما تكررت في أحلامنا أصبحت صورة باهتة حتى في الانفعالات النابعة منها. فما يمكن أن يكون أكثر طرافة وأكثر مأسوية من تمديد الطفولة؟

«بستان الكرز»: حتى 22 تشرين الثاني (نوفمبر) ــ «مسرح المدينة» (الحمرا ــ بيروت). للاستعلام: 01/999666