بعد «الأربعاء بنص الجمعة» و«باسبور رقم ١٠٤٥٢»، تعود بيتي توتل نصاً وإخراجاً إلى خشبة «مونو» لتقديم عملها الكوميدي «مسرح الجريمة» برفقة مجموعة من الممثلين المحترفين. العمل الذي يمتد على مدى ساعة ونصف، يتطرق إلى انفجار يودي بحياة امرأة عجوز ويدفع القوات الأمنية إلى اعتقال عبثي لمجموعة من الأفراد داخل أحد «المخافر» القريبة من شارع مونو.


تتداخل الشخصيات ببعضها في إيقاع سريع لنصل إلى عقدة المسرحية حيث يتحول الاحتجاز العرضي لـ «ويلي» (سيريل جبر) إلى مشكلة دولية، ما توجب على أحد المحتجزين (هشام خداج) ابتكار حل للخروج من المأزق.
يمكن القول إنّ دينامية العرض بكل ما فيه من أحداث تكمن في شخصية «ويلي». وجوده ضمن لائحة المحتجزين لا يخدم فقط في تعقيد الأمور وبلوغها الذروة، بل إنّ هذه الشخصية تملك البعد الآخر الذي حاولت توتل إضافته إلى حدث الانفجار. يبدأ العرض بتقديم شريط فيديو نرى فيه «ويلي» في حوار مع أحدهم حول رحلته إلى بيروت بهدف إجراء بحث في تاريخ المسارح في لبنان، ولقاء جدته للمرة الأولى في حياته بعدما قيل له إنّها كانت أول سيدة مثّلت على الخشبة. في سياق مواز لشخصية «ويلي»، نرى هشام، وهو ممثل لبناني (هشام خداج) يُعتقل كمشتبه به لقرب وجوده هو وحبيبته من مكان الانفجار في مرآب.
من خلال تلك الشخصيات النمطية، لعبت بيتي توتل على خطين متوازيين من السرد والأحداث. الخط الأول هو حدث الانفجار وما ينبثق عنه من مواقف، والخط الثاني هو رمزية البحث الذي يقوم به «ويلي» حول تاريخ دور المسارح في لبنان، ويحيلنا ذلك مع وجود شخصية هشام الممثل اللبناني على مرثية تحاذي كوميديا الخط الأول.


نص محكم وجميل في بنيته وأحداثه وشخصياته رغم سقوطه في بعض الرسائل المباشرة
إنّها مرثية مضحكة وباعِثة على حزن ونوستالجيا خفيفين، وربما هنا يكمن جمال العرض: أرادت توتل أن تحكي عن الجريمة التي ترتكب بحق المسرح في لبنان الذي عانى من إقفال خشباته منذ سنوات. أرادت أن تحاكم المدينة وصنّاع قرارها عبر إعادة خلق فضاء الجريمة الذي تمثل في انفجار هز كيان الدولة وكانت ضحيته السيدة العجوز التي تمثل أيضاً «محاولات اغتيال المسرح اللبناني وبؤس حال الممثل». بهذا المعنى، لا يبدو الانفجار بتلك الأهمية: هو حدث ظرفي يحيلنا على أمكنة أخرى، إلى مسارح تقفل وحكايا ناس بعضهم حاضرٌ على الخشبة، وبعضهم الآخر غُيِّب، إلى الصور النمطية كنظرة الغرب الذي لا يرى في الرجل الشرقي إلا إرهابياً...
نص توتل محكم وجميل في بنيته، في أحداثه وأنماط شخصياته رغم سقوطه أحياناً في بعض الرسائل المباشرة التي أرادت تمريرها في بعض الحوارات. اشتغلت المخرجة الكاتبة على تقديم أربعة أنماط من الشخصيات: النمط الأول ينحسر بشخصيتين حالمتين وشغوفتين بالمسرح، هما «هشام» الممثل الذي يواجَه دوماً بالاستخفاف بمهنته و«ويلي»، اللبناني الأصل والفرنسي الجنسية. عرف «ويلي» المسرح اللبناني من خلال حكايا والده، وهو قادم إلى لبنان لنبش ذاكرة الفضاءات المسرحية وللبحث عن جدته أنيسة كنعان. أما النمط الثاني، فيقدّم شخصيات انتهازية (بدرجات متفاوتة) قادرة على التأقلم والإفادة من كل الظروف، وتجسد إلى حدّ ما النموذج الذي يؤخذ على عدد كبير من اللبنانيين على أساس «اللبناني كيف ما وقع بيجي واقف» وغيرها من التوصيفات التنميطية. هذا النمط شخّصته صاحبة المرآب (جيسي خليل) التي نكتشف في سياق العرض أنها تملك مطعماً وتجيد ابتكار طرق تدفع المارة في شارع مونو إلى ركن سياراتهم في مرآبها. كذلك، تقوم ميريام وطفا (ميريام وطفا) حبيبة هشام عند لقاء ويلي بالتودد إليه بشكل فائض ناسية أنها على علاقة مع هشام، وشخصية بائعة الهوى (لمى مرعشلي) الآتية لإخراج ميريام من المخفر لأنها تعرف والد ميريام بشكل أو بآخر. النمط الثالث يقدم شخصيات قامعة ومقموعة في آن تمثل «السلطة» أي الكولونيل (جاك مخباط)، والمختارة (جوزيت أفتيموس) وعبدو العنصر الأمني (كميل يوسف) الذي يفرط في استخدام سلطته، والنمط الرابع هو المقموع الذي يتمثل في «حرُاس الذاكرة» أي مالك المبنى (جورج دياب) والمهندس (وديع أفتيموس).
لكل من تلك الشخصيات عالمه الذي حرصت المخرجة على إظهاره في سياق الحدث ووظّفته بشكل أو بآخر، لخلق مواقف مضحكة أو اللعب على الخطين المتوازيين لعرضها. في الجزء الأول من العرض، تتسارع الأحداث ويبدو الممثلون ــ رغم براعة القسم الأكبر منهم ــ كأنهم يركضون خلف نصهم مع أن بنية الأخير ــ رغم وجود بعض الكليشيهات ـــ كانت مثيرة للمتابعة والأنماط التي لعبت عليها توتل تستحق بعض البطء أحياناً.
تفاوت أداء معظم الممثلين وكان أداء جيسي خليل مميزاً. لم تكن بعض الخيارات الإخراجية موفقة كاستخدام الفيديو الذي أفقد العرض بعضاً من زخمه. ماذا لو بدأ من دون استخدام الفيديو الأول؟ ماذا لو عرفنا في سياق القصة أن ويلي يبحث عن جدته وعن دور المسرح من دون فائض في التفسير (الموجود في الفيديو الأول)؟
لن نغوص في تفاصيل الحكاية وفي قصة أنيسة كنعان وفي نهايتها الصادمة والمعبرة معاً كي لا نفسد متعة فرجة «مسرح الجريمة» الذي يبقى جديراً بالمتابعة ولو وقع في بعض السقطات.


«مسرح الجريمة»: حتى 15 تشرين الثاني (نوفمبر) ــ «مسرح مونو» (الأشرفية) ـ للاستعلام: 01/202422