القاهرة | كلّما سقط الإعلام المصري في منحدر جديد، عاد السؤال إلى ألسنة المصدومين من رداءة المستوى: هل كان الإزعاج الذي يسبّبه باسم يوسف كل ليلة جمعة للسياسيين والإعلاميين مفيداً لهم؟ وهل كان من الممكن أن يُسهم في الحد من ضربات «الشتائم» و«الخرافات» التي أصابت عقول المشاهدين في مقتل؟

موجة جديدة من الانتقادات تُحاصر حالياً الإعلام المصري الذي يبدو أنّ معظم القائمين عليه في حاجة إلى صدمة لا يعرف أحد من أين يمكن أن تأتي، حتى يستعيد هؤلاء رشدهم ويتذكروا أنّهم يجلسون أمام كاميرا تنقل صورهم وكلماتهم للملايين في المنازل.
بات الكل يتساءل عن المنقذ الذي يمكنه أن يتدخل للحد من الانحدار المستمر والمصحوب بإصرار يبدو متعمّداً على النزول إلى قاع الممارسات الإعلامية التي ربّما لم تشهدها دول أخرى في ظروف المحروسة نفسها. ظروف تتطلّب إعلاماً يجمع ولا يفرق، يزيد الوعي ولا يعمّق الغيبوبة.

هكذا، بات السؤال المتكرر: هل كان الإعلاميون المنفلتون المستفيد الأكبر من استمرار باسم يوسف وبرنامجه «البرنامج» المتوقف منذ أيّار (مايو) 2014، بحيث كانت الجردة الأسبوعية الساخرة التي يجهّزها لهم ولجمهوره تُسهم في أحيان كثيرة في إجبارهم على الانصياع للنقد والتخلّي عن مواقف تساعد «جون ستيوارت العرب» في «تعريتهم» أمام الجمهور؟


مقطع من
لعبة فيديو عرضه
أحمد موسى مدّعياً أنّه غارة روسية!

ويأتي ذلك في ظلّ أجواء تدلّ على أنّ الإعلاميين لا يقيمون وزناً للمشاهدين. كل الملاحظات التي تحملها مواقع التواصل الاجتماعي تذهب هباءً، بما فيها محاولات اللجوء إلى القضاء التي تنتهي بالحصول على البراءة! الأيّام الأخيرة شهدت المزيد من الوقائع المؤسفة التي دفعت بعضهم إلى فقدان الأمل في تدخّل العقلاء للحفاظ على ما تبقى من حياء في الإعلام المصري.
الأزمة الأبرز على الإطلاق كانت مساء السبت في برنامج «العاشرة مساء» على قناة «دريم» التي ما زال صداها مستمراً حتى الآن. استضاف مقدّم البرنامج وائل الإبراشي أسرة وشخصاً ادعى أنّه مسؤول محلي في الحي الذي تسكن فيه هذه الأسرة. أما المناسبة، فهي فيديو لطفلة تبلغ خمس سنوات ترقص بالسكين في الشارع، واتهام أفلام المنتج أحمد السبكي بإفساد الجيل الجديد. لاحقاً، تبيّن أنّ الفيديو مصوّر عن عمد، وأنّ المسؤول المحلي محترف «تظاهرات» شارك في مسيرات مؤيدة للرئيس المصري المخلوع حسني مبارك وأخرى معارضة له. لكن هذا الشخص نجح في استفزاز المنتج والمخرج كريم السبكي الذي دخل في جدال معه ومع الإبراشي على الهواء، قبل أن يلتقط الهاتف والده أحمد ويهاجم الإبراشي ويتشفّى مما جرى له في نيويورك أخيراً على يد الإخوان (الأخبار 1/10/2015).
لم يتمالك الإبراشي نفسه، فوصف أحمد بـ «البلطجي»، قبل أن ينفلت «الحاج أحمد» وينهال على الإعلامي المصري بالألفاظ النابية. بعد ذلك، رفض الإبراشي اعتذار «السبكية»، فيما أعلنت قناة «دريم» أنّها ستلجأ إلى القضاء. غير أنّ خبراء القانون قالوا إنّ الإبراشي مدان أيضاً لأنّ كلمة «بلطجي» تعدّ سبّاً، في الوقت الذي طالبت فيه جهات إعلامية بمقاطعة السبكي في البرامج.
سيحدث هذا لفترة، لكن لا مقاطعة تصمد في مصر، ولا قوائم سوداء للضيوف وتكرار الموقف المخزي وارد في أقرب فرصة.
على خط موازٍ، أصبح خبير استراتيجي يُدعى حسام سويلم محط سخرية كثيرين عندما خرج بتصريح مفاده أنّ «سدّ النهضة هيُقع لوحده». وهو السدّ الذي تشيده أثيوبيا حالياً ويسبب إزعاجا كبيراً للمصريين. لم تكتف القنوات بتصريح مماثل، بل واصلت الاستعانة بسويلم هاتفياً. مثلاً، سألته المذيعة رولا خرسا على قناة LTC عن رأيه في فوز «رباعية تونس» بجائزة نوبل للسلام، ليرد بكل عفوية بأنّه لا يعرفها لكن «لو كانت سيّدة (أي الرباعية) خدمت بلدها فهي تستحق الجائزة». هذا الخبير «الاستراتيجي» هو نفسه الذي أطلق قبل شهر أكذوبة «المجلس الأعلى للعالم» الذي اعتبره «مسؤولاً عن الكوارث والزلازل الطبيعية من أجل السيطرة على الكرة الأرضية».
مع ذلك، لن تدفع تلك المواقف القائمين على كواليس صناعة البرامج إلى منعه من الظهور. أما أحمد موسى مقدّم برنامج «على مسؤوليتي» على قناة «صدى البلد»، فعاد من إجازة امتدت أسبوعاً ليبرهن على أهمية ما تفعله القوات الروسية في سوريا، وأنّها «ما بتهزرش»، كما فعلت قوات التحالف مع «داعش». فعل ذلك من خلال عرض فيديو للغارات الروسية، اتضح سريعاً أنّه مقطع من لعبة فيديو!