تبدو ترجمة الأفلام الأجنبية (Subtitle) إلى اللغة العربية، كشرط أساسي من شروط العرض الجاذب للمشاهد، خصوصاً في البلدان العربية. وهذا أمر أوقع المحطات العربية الباثّة للأفلام الأجنبية في تناقض مرير، أولاً من جهة خضوعها المُذل لأنواع الرقابات (قد تكون هذه المحطات أو بعضها هي نفسها الرقابات) التي قد تذهب إلى حدود الرقابة على النوايا، ما يدفعها دفعاً لتشويه المعرفة الإنسانية، من حيث هي معرفة عمومية كونية، من شاء أخذ منها ومن شاء رفضها، وفي الحالين عليه أن يحتمل نتائج الرفض والقبول.


من جهة ثانية، تبدو هذه الترجمة المقروءة (Subtitle) كأنها تخطّئ وتدين وتؤثّم، ثقافة صنّاع العمل الخاصة بمجتمعاتهم، فتصحح لهم من خلال الترجمة إلى «العربية» ما وقعوا فيه من «خطايا» في القول والفعل والتمثيل والتصوير، بل يتجاوز ذلك إلى قص اللقطات والمشاهد التي تعتبر «خطرة» وغير مقبولة!
وهنا ترتكب هذه العمليات (الترجمة والقص) أخطاء (وربما خطايا) على أكثر من صعيد ثقافي وتربوي. العنوان الرئيس الذي تندرج تحته هكذا أفعال هي رفض الآخر، بناء على اعتقاد مضلل برقي ناتج عن خصوصيتين ثقافية وحقوقية، تجيز التلاعب بالمعاني، رغم الحاجة إلى المنتوج الفني (أفلام وغيرها). كما أنها تخلق آلية عملية لممارسة التعصب والتطرف، فلرفض الآخر مرتسمات وتصرفات على أرض الواقع، قد تكون بعيدة أو قريبة من التصريح بها صراحة، مع وجود ذرائع جاهزة، لتبريرها وتجميلها في حال تم اتهامها بذلك، ولو على سبيل المماحكة، ومهما كان الثمن الثقافي والتربوي الذي سوف يتم دفعه لاحقاً. هذا بالإضافة إلى العماء المعرفي بالبشر والمجتمعات غير الناطقة بالعربية، ذلك العماء الذي يقود إلى الخوف من المجهول، وتثبيت معلومات مختلفة عن الآخر منقولة عبر ترجمة غير بريئة، تقوم بشيطنة هذا الآخر انطلاقاً من مبدئيات ثقافية تفيد بالقطع معه، بناءً على طاقتنا المعرفية «المميزة!» عبر مناورة لغوية شفاهية، تنتقل من عدم الاعتراف إلى التكفير والعداوة مباشرة، مستكملة مساراً ثقافياً تراثوياً، يضع الناس على بدايات طرق التطرف.


تلاعب في ترجمة
المعاني بدعوى «الحياء العام ورقينا الحضاري»

مفردة God على سبيل المثال ليست «الله» في أي حال من الأحوال (ايل رب الأرباب ومنه إيلوهيم واللهم) وهي ليست الإله أيضاً ولا الرب في «العربية» الماضية والمعاصرة، بل هي «القدير» مثلاً أو ذي القدرة العالية أو أي تسمية أخرى، ولكنها ليست مفردة الله مشافهة، فلفظة الله تعني غير ما تعنيه لفظة God، في الدلالة اللغوية الشفاهية عند هذه المحطات، لكنها تقود لافظها إلى موقع ثقافي وحقوقي أعلى أو مختلف عن غيره، ربما وبعد تراكم هذه النتيفات الثقافية مع بعضها ككرة ثلج، سوف يحق له محاسبة الآخرين، والقضاء عليهم إذا لزم الأمر (هذه الترجمة التي تسببت في مشكلة طائفية في إحدى دول جنوب شرقي آسيا وصلت إلى المطالبة بتضمينها في الدستور)، فالناس ليسوا متساوين في هكذا ذهنية، واللفظ والمعنى ملك حصري لفئة واحدة من البشر، رغم حاجة هذه الفئة لاستيراد هذه الأفلام، ممن يعتبرونهم أقل استحقاقاً أو شأناً.
وهنا لا تبدو المسألة مجرد موضوع اختلافات لفظية بسيطة عابرة، أو أنها ترجمة مهلهلة ناتجة عن السهو أو قلة العلم، بل هي بعد ملاحظة المفردات المترجمة في مجموعها، وهي كثيرة جداً من هذه الناحية (الكاهن، القديس، الكنيسة، عيد الميلاد...)، وكلّها لها ترجمات تأليبية تأثيمية خاصة، ناتجة عن ذهنية معرفية مؤدلجة، لا تخبُطُ عشواء في هذا المضمار.
على التوازي، وفي ذريعة الحفاظ على الحياء العام، تندرج هذه الترجمات (جملاً ومفردات)، في سياق كوميدي ساخر خاص، حيث يتم تأثيم الآخر عبر لغته المجتمعية المتداولة، فمتابعو العمل الفني (فيلم أو مسلسل أو برنامج) ممن يتقنون لغة العمل يفهمونه فهماً آخر، ويخرجون منه بنتيجة أخرى، حيث تبدو خيانة الثقة العلمية في أعلى تجلياتها، (ولا ننسى في هذا المقام ترجمة الكتب من أدب ودراسات)، ناهيك عن خيانة اللغة العربية نفسها، التي تبدو أنها لا تحتوي على ألفاظ كافية لنقل كلمات بحرفيتها، أو بمعناها المحدد إلى ألفاظ مقابلة موجودة فيها، كأن على المشاهد واجب إسقاط بعض مفردات من لغته، أو تركه لتخيلها بصور يختارها هو من خلال معلوماته الشخصية. هكذا، يظهر الفصام الذي تسبّبه التابويات في أبهى حلله، ويلقى هذا الفصام آليات لممارسته واقعياً، بذرائع توفرها هذه المحطات بوصفها منتجة للثقافة. وهكذا تتحول رواية سلوى النعيمي «برهان العسل» مثالاً، المعنية بهكذا نوع من التعامل مع اللغة إلى تهمة أخلاقية، على الرغم من كونها لم تتعد الحقائق الأولية البسيطة من مقام اللغة العربية.
وهكذا لا نعلم إذا كانت لفظة Fuck وغيرها المتداولة بكثافة شديدة في الأفلام الأميركية، تعني ألفاظاً مثل «تباً» أو «سحقاً» أو «اللعنة». كما أننا لا نعلم إذا كان مسموحاً استخدامها في لغتنا اليومية أو في أفلامنا ومسلسلاتنا كما هي، أو كما هي مترجمة! ولا ندر إذا كانت مفردة Sex التي تترجم بـ «علاقة» في أفلام هذه المحطات، المقصود منها تطوير اللغة العربية كي لا تقع في إثم خدش الحياء العام!، أم أنه فعلاً أن ترجمة كلمة Sex إلى العربية هي بالضبط علاقة، وحيثما وجدت هذه المفردة (علاقة) فإنها تعني Sex وعلى المتلقي تداولها بهذا المعنى، بغض النظر عن مقاصد اللغة ومنافعها.

كلمة God تصبح «القدير»،
وsex تصير «علاقة»!

ربما المجال لن يتسع لمناقشة الأمثلة الكثيرة في «معضلة» ترجمة الأفلام إلى العربية، كما أن المجال لن يتّسع لنقل كميات السخرية، التي تلقاها ترجمات مماثلة. لكن لنفترض ولو جدلاً (وهذا لم يعد افتراضاً بل أصبح واقعاً ولم تخرب الدنيا) أن هناك محطات تلفزيونية تعرض أفلامها بترجمة دقيقة، ومشاهد كاملة من دون مقص وصي على الحياء العام، ودون ذي «علم» يتعالم به على البشر (وهنا نستثني المحطات الإباحية)، ماذا سيحصل من معرفة الناس لحقيقة هذه المفردات بمعناها الطبيعي؟ أو ماذا سيحصل لو شاهد الناس مشاهد ولقطات سينمائية بمعناها الفني؟! ومن يستطيع منع هذه المحطات من البث؟ هل سينشأ تياران لغويان مختلفان يتصارعان على الدقة الشرعية للكلمات؟ أم سيلجأ الجمهور إلى معاجم الأنتروبولوجيا، وفقه اللغة لحسم موقفه من هكذا نوع من الترجمة؟ طبعاً لن يحصل شيء من هذا، فالمسألة هنا هي إيجاد واقع انحيازي إستعدائي تصنعه الاستعمالات المؤدلجة للغة الترجمة، كأن بها ردّ حانق على المنتوج الفني ليبدو متهماً سلفاً بتجنب الحق والفضيلة.
في الواقع، فإن الذي حصل ويحصل، هو ناتج عن تزوير الترجمات وقص المشاهد واللقطات وليس العكس، بقصد تصحيح ما خطل به صنّاع المنتوج الفني، وهذا الحاصل هو حاصل سلبي من الناحية المعرفية، وهي الناحية المقصودة من عرض الأفلام وكافة الفنون، فما وصلت إليه العلوم والفنون ليس مجرد قفزة لغوية شفاهية، يمكن وضع خطوط حمراء لمفردات لغتها وتعابيره، فلفظة الله (سبحانه) كصوت ومعنى، ليست ملكاً للغة أرضية بعينها، وهي اللفظة المنتقلة عبر التاريخ والأقوام، معبرة عن معناها الجليل والسامي.
أما بقية الألفاظ والجمل، المترجمة خطأ تارة ومواربة طوراً، فهي من الصيغ الاجتماعية التي ينتجها المجتمع في حياته الواقعية، وربما كانت العربية بعامياتها (وفصحاها) زاخرة بالكثير من هذه الألفاظ، وهي متداولة بشكل طبيعي بلا شك، ويندر من لا يعرف معناها، ويندر كذلك من لا يمارسها وينطقها، كما أنه من غير الواقعي ولا المجدي، محاولة استئصالها عبر مناصحة تفتقد إلى الكثير من المعرفة وهيبتها، لتتحول العملية (هذه الترجمة) إلى فذلكة ومحاولة تشريف الألفاظ على حساب المعنى، مستثيرة سخرية العامة، على الرغم من مسايرتها لهذا الفصام المعرفي.
هذا ما يقودنا إلى الحاجة لعملية مصالحة بين اللغة ومعانيها، وبين اللغة ومستخدميها، الذين ظنوا ويظنون أنهم يحصلون على الحقيقة، أو على الأقل المعلومة الصالحة، من خلال هكذا نوع من التلاعب بالألفاظ، لكنهم وفي حقيقة الأمر، يتعرضون لعملية ترويض ومصادرة، تؤدي إلى انحياز ثقافي غير حميد الطوية المعرفية، لتصبح المرحلة التالية من الحوار حول هذا الموضوع، تتلخص في ادعاء أننا أحرار وهذه قناعتنا وهذا من حقنا وغيرها من أسطوانة التعصب المفضية إلى العداء. ما يعيدنا إلى حقل «التنوير» الذي فلحه وبذره الأفغاني ومحمد عبده، وحصدنا نحن ثمراته البائسة، فنحن ما زلنا في المجال الثقافي الذي يؤسس للسلوك بتراكم تخريبي عبر هكذا نوع من المعلومات، وترويض المنتجات الثقافية على هذه الشاكلة أيضاً، ما يقدم لنا سلوكيات كتلك التي نراها بين ظهرانينا هذه الأيام، وتقودنا إلى كوارث معرفية، نمارسها بكل أمان النعامة رغم افتقادها للبراءة.
* سيناريست سوري