الفنّ العربي المعاصر يقتحم زمن الرواية


حسين بن حمزة
ماذا تفعل بنا الكتب؟ أو بالأحرى ماذا تفعل بنا الروايات؟ هذا هو السؤال الجوهري الذي يطرحه عرض «ستّ روايات ستّة جسور». لكن كيف تحوّلت الروايات إلى مادة لائقة بالمعرض الذي دُعينا إليه بين 16 و18 تشرين الأول (أكتوبر) في «محترف الزاوية» (الحمراء/ بيروت)؟ إنها فكرة تبنتها «دار الآداب» ضمن احتفالية «بيروت عاصمة عالمية للكتاب»، وتقوم على تطوير تعاملنا مع الكتابة عبر تعريضها لطموحات تشكيلية لا تخطر في أذهاننا عادةً خلال المطالعة. كل قارئ لديه الحقّ في أخذ الرواية التي بين يديه على محمل مزاجه واستعداده الفردي. الروائيون أنفسهم يتحدثون دوماً عن قراءات مختلفة تساوي عدد قراء أعمالهممبدأ القراءة يتغير في المعرض لمصلحة الاستنتاجات البصرية، لأنّ الروايات الست أُعطيت لفنانين وتجهيزيين. القراءة المتوقعة لم تعد قراءة بالمطلق بل باتت مرهونة بمخيّلة قراء ينتمون إلى شريحة محدّدة. ندخل إلى «محترف الزاوية» فنُعطى خريطة صغيرة ترشدنا إلى الغرف التي وزِّعت عليها الأعمال المشاركة.
نشاهد أولاً عمل نجاح طاهر «رائحة تبحث عن لغة» المنجز بوحي من «الحب في المنفى» لبهاء طاهر. الرواية التي تدور أغلب أحداثها في بيروت، على لسان مراسل صحافي يعيش الحب في المنفى، وتصله أنباء عن حصار بيروت ومجزرة صبرا وشاتيلا. ما نراه في الغرفة المخصصة لها هو دميتان لامرأتين مستلقيتين في الركن ويبدو أنهما ميتتان وغُطّيتا بجريدة مفتوحة، بينما جهاز فيديو يبث صورة متكررة لجرائد أخرى. نقول لأنفسنا إن الجثتين هما الفكرة المشتركة بين الرواية والتجهيز. لكن العمل يُزيح هذا الانطباع الفوري، ويقترح علينا إبقاء المعنى حراً أو مدفوناً في العمل نفسه. كأن القراءة تتحول إلى سرّ حميم لا نرى منه سوى إيماءات ملتبسة. في الغرفة الثانية، تشتغل كارين وهبي على «بريد بيروت» لحنان الشيخ، فتنقلنا إلى بيروت السبعينيات ورسائل الحرب التي شطرت المدينة المبقورة بالقذائف. تقدم تجهيزاً مكوّناً من بطاقات بريدية تشبه ما راج في تلك الفترة، تحمل معالم سياحية ومشاهد من الحياة اليومية اللبنانية. تخبرنا وهبي أن الرواية جعلتها تُنجز عملها كمحاولة لحوار محتمل بين ثلاثة أزمنة: ما قبل الحرب، والحرب والزمن الراهن.


قراءات بصريّة لأعمال بهاء طاهر وبيتر هاندكه وحنان الشيخ وبول أوستر والياس خوري وعلويّة صبح

في الغرفة المقابلة، تستقبلنا داليا خميسي بـ54 صورة فوتوغرافية بأحجام مختلفة تترجم مونولوجاً لبطلة رواية «دنيا» لعلوية صبح. كل صورة تُرينا جزءاً من جسد البطلة التي راح حبيبها يراه موزّعاً ومجزّأً في أجساد نساء أخريات. تُدخل خميسي قراءتها للرواية إلى مشروعها الفوتوغرافي الشخصي القائم على حقوق النساء في المجتمع اللبناني. إنها تسخر من تبنّي النساء هويات إيروتيكية فضفاضة، وتنتقد إحساسهنّ الشائع حيال رؤية الرجال أجسامهن.
الحرب الأهلية تطلّ مجدداً في تجهيز غسان معاصري «من قتل بامبي» المشتقّ من رواية «الوجوه البيضاء» لإلياس خوري. الحرب حاضرة هنا، وفق منطق تجريبي خاص: علب كبريت كثيرة وفارغة، مكوّمة في ركن الغرفة، بينما عيدان الثقاب جُعلت واقفة بحيث تكون رؤوسها القابلة للاشتعال متجاورة ومتراصة. يُشعل معاصري العيدان أمامنا، ثم نرى الحريق مصوراً ومبثوثاً على جدار في الفناء الخلفي للمحترف. هل الفكرة كامنة في عيدان تُحرق نفسها بخلاف الحرب التي تُحرق مصائر العالقين فيها؟
يظل السؤال عالقاً، بينما تقول لنا الخريطة أن ننزل إلى قبو ضيق، لنرى شريط «كل ما أودّ أن أشعر به هو الزرقة» الذي يحيلنا صاحباه جنى صالح ورائد الخازن إلى «الأشباح» ــــ الرواية الثانية في «ثلاثية نيويورك» لبول أوستر. يروي الكتاب حكاية عبثية عن شخص يكلِّف تحرياً خاصاً بمراقبة شخص ثانٍ، ثم نكتشف أن الثاني هو الشخص الأول نفسه. يُرينا الشريط الصامت امرأة تستقلّ المترو، وتجول بين معالم نيويوركية مرتديةً فستاناً أسود وقفازين أسودين وحذاءً رياضياً، ثم نرى نيغاتيفَ لرجل نجهل ملامحه. قد لا يُذكرنا العمل بالدهشة التي أثارتها للرواية، لكن لعلنا مطالبون بنسيان قراءتنا والاكتفاء بقراءة الآخرين.
نخرج من القبو، ونذهب إلى الفناء الخلفي للمحترف، حيث تعرض تمارا السامرائي تجهيز فيديو بعنوان «سَنَدْ»، مستوحى من رواية «المرأة العسراء» لبيتر هاندكه الذي تقرر بطلته ماريانا أن تعيش وحيدة مع ابنها ذي الثمانية أعوام. نستعيد بهجتنا القديمة بعوالم هاندكه الآسرة، ونحن نتأمل الصورة المتخيَّلة والمستديمة لبطلة الرواية. الصورة جامدة، بينما بالكاد نلاحظ الحركة الخفيفة والمكرورة لقدمها اليمنى.
أخيراً، نتذكر أن الخريطة التي أُعطيت لنا لحظة دخولنا إلى المعرض كانت بمثابة دليل للتجوال في متاهة. دخل الفنانون السبعة إلى متاهة الروايات وخرجوا منها لكي يُدخلونا إلى مناخاتها على شكل تجهيزات بصرية. هل خرجوا كما دخلوا؟ هل خرجنا كما دخلنا؟ هذا هو السؤال.