جمال الغيطاني في العناية المركزة. كانت الجملة باترة وموحشة وصاحبها الشاعر إبراهيم داوود لا يريد الاسترسال في الكلام أكثر من ذلك. كان مثقلاً بحزن واضح يُرافقه خوف متوارٍ بصعوبة خلف شكيمة مصرية قوية، ولكن الهَمُّ أعياها. خوف على زمن قد يأتي بدون رفاق الدرب الذين بدأوا في التساقط خلال أسبوع واحد استحق أن يكون أسبوع الآلام المصري بامتياز.


تزامن هذا مع دخول جمال الغيطاني العناية المركزة ليخوض غمارَ حربٍ ضد وجع قلبه. منذ وُلد هذا الجنوبي في قرية جُهينة في محافظة سوهاج عام 1945 وهو رهين قتال يتجدد كل فترة، ينتصر فيه ليعود أقوى وأكثر حكمة. بدأ بتجربة الاعتقال القصير عام 1966 ليتحول بعدها مراسلاً حربياً لمدة أربع سنوات على الجبهة المشتعلة وقتذاك، ثم يتفرغ بعد نهاية الحرب لمشروعه الصحافي والروائي، وتبدأ حروب جسده الداخلية في الظهور. كانت البداية مع ضيق شريانه الذي أجرى له عملية قلب مفتوح خلّدها في أحد كتبه، ثم توالت الآلام، ومعها اشتعال حروب الغيطاني ضد المرض، من آلام القلب إلى آلام الحَصْر، والغيطاني لا يتوقف عن الكتابة والمعاناة. ينتمي الغيطاني إلى جيلٍ ظُلم لحساب مَن سبقه من جيل نجوم الأدباء إن جازت توأمة النجومية والأدب. بالطبع كان ظُلماً غير مقصود، ففتيان الستينات بدأوا الكتابة وقت توهج نجيب محفوظ، ويوسف إدريس، والسباعي، وإحسان عبد القدوس، وغيرهم على اختلاف مشاربهم ومدارسهم. ولذا جاء بهاء هذا الجيل خافتاً، لكن جذوة الوهج لم تنطفئ لوجود موهبة حقيقية أعلنت نفسها بقوة في ما بعد، تحت عباءة أساتذة المرحلة وعلى رأسهم محفوظ الذي احتضن الغيطاني، والقعيد، وسعيد الكفراوي، وغيرهم من شباب الأدباء في مجالسه القاهرية الشهيرة. وكما أخلص محفوظ لقاهرته القديمة الأثيرة روائياً، أخلص لها الغيطاني بحثياً، فعمل بجدٍ يُحسد عليه لحفظه تاريخها سياسياً وثقافياً وفنياً.
في الوقت عينه، كانت تجربة الغيطاني الروائية والقصصية تسير بهدوء شديد، وبلا أي ضجيج مفتعل. الحكّاء صاحب تجربة السرد شديدة الخصوصية بنى عالمه الروائي قطعةً قطعة بلا رضوخٍ لقوانين السوق الأدبي، فجاء البنّاء متماسكاً، والأساس غاية في المتانة منذ استقبلت الأوساط الأدبية في الستينيات مجموعته «أوراق شاب عاش منذ ألف عام» التي حملت جانباً من الفانتازيا كان غريباً وقتها على الوسط الأدبي المصري، مروراً بروايته الفذة «الزيني بركات» وليس نهاية بــ «وقائع حارة الزعفراني». ولدى الغيطاني ما يقوله عكس الكثير من أبناء جيله الذين لعبوا على تيمات الستينات المعتادة من وقائع الحرب إلى يوميات المعتقل والأحلام المجهضة لهذا الجيل الذي قُدِّر له أن يخوض حربين، ويشهد تداعي ايديولوجيا الستينات القومية أمام سطوة كامب ديفيد، بالإضافة إلى تفرغهم لاحقاً لمناصبهم الإدارية، فنضبت تجربة أغلبهم مبكراً جداً، ولم ينج من هذا النضوب إلا قِلَّة كان جمال الغيطاني أحدهم.