حتى الآن، مرّ «مهرجان البندقية السينمائي» بلا مفاجآت سعيدة. فيلم الافتتاح كان طلقة طائشة من المخرج جوزيبي تورناتوري... ولم تكن الأعمال الأخرى بأفضل منه


البندقية ــ محمد رضا
إذا كانت السينما الإيطالية تنوي خطف جائزة «الأسد الذهبي» من مهرجانها هذه السنة، ففيلم الافتتاح «باريا» لجوزيبي تورناتوري ليس السبيل إلى ذلك. هناك ثلاثة أعمال إيطالية أخرى متسابقة في الدورة 66 من «مهرجان البندقية السينمائي» (فينيسيا) قد يحالفها الحظ: «الساعة المزدوجة» لجوزيبي كابوتوندي و«الفضاء الأبيض» لفرنشيسكا كومنشيني و«الحلم الكبير» لميكيلي بلاتشيدو. أما «باريا»، الإنتاج الأكبر للسينما الإيطالية أخيراً (راوحت ميزانيته بين 35 و40 مليون دولار دفع جزءاً منها السينمائي التونسي طارق بن عمّار)، فهو طلقة طائشة قد ترضي جمهور السينما الإيطالية، لكنها ليست جديرة بالجائزة. نحن في الثلاثينيات. الأب راعي غنم يثقّف نفسه بنفسه. ابنه بينينو (فرنشسكو شيانا) يلعب في الأزقة مثل خلاّنه وأترابه. تبدو الحياة وادعة في قرية براغيا (ضواحي باليرمو) لكن شيئاً يحدث يعكّر صفوه: إنّه صعود الفاشية. ثم لا يلبث فتيل الحرب العالمية الثانية أن يُجبر المواطنين على حمل السلاح. بعد ذلك، تنتهي الحرب ويكبر الابن شابّاً وسيماً ويقع في غرام فتاة (إيفا منديز) يتزوجها رغم أنه لا يملك ثمن خاتم، بينما الكاهن الذي يزوّجهما لا يبدو مكترثاً به لأنه يعلم أنّه شيوعي لا يؤم الكنيسة الكاثوليكية (ولا غيرها). لكن بينينو أمر آخر، يبتعد لاحقاً عن الاهتمام بعائلته التي ازداد أعضاؤها (ثلاثة أطفال والرابع على الطريق)، إذ تكبر طموحاته السياسية. وبعدما انضم يافعاً إلى الحزب الشيوعي، أراد دخول مجلس النوّاب وتكوين زعامة سياسية. لكن ما يعيق بينينو أنّه ليس ولداً نجيباً ولم يحصل على الكثير من العلم والآن بات الندم يتآكله.


«الحياة في زمن الحرب» يخلو من... الحرب
عبر هذه المراحل المتوالية لحياة بطل الفيلم، نتابع ما هو شخصي، لكن يفتقر إلى الذاتية والحس الحميمي بالشخصيات، إضافة إلى متابعة تاريخ إيطاليا الحديث منذ الثلاثينيات حتى الثمانينيات لكن بأسلوب خالٍ من أي تبرير. أفضل من «باريا» قليلاً، كان «الطريق» للأسترالي جون هيلكوت. لكن إذا كانت طلقة تورناتوري قد أخطأت الهدف، فـ«طريق» هيلكوت لا يوصل إلى نتيجة رغم أنّ الفكرة التي بنى عليها الكاتب كورماك مكارثي روايته المقتبس عنها الشريط، تختزن ثراءً في الأجواء والأحاسيس لا نرى منه على الشاشة هنا سوى القليل. إنّها قصّة رجل وابنه الصغير يجولان في أميركا بعد الدمار الشامل الذي حلّ بها، محاطين بمنازل مهدّمة وشوارع مهجورة وسيارات مدمّرة. غاية الأب الوصول إلى البحر، لكنّ الفيلم لا يوضح السبب. طوال الطريق، هناك خطر السقوط بين أنياب آكلي لحوم البشر وخطر تحوّل الفيلم إلى رعب قوامه شلّة من «الزومبيز» توفّر مادة للرعب. لكن المخرج يختار الالتزام بروح الرواية ويُبعد الشريط عن الانزلاق إلى سينما الرعب. لكن البديل ليس متوافراً أيضاً، فلا حكمة ولا حكاية، ولا فلسفة نستشفها من هذا العمل الذي بدا مبتوراً. فيلم ثالث في المسابقة هو «الحياة في زمن الحرب» لكن من دون حرب ولا حتى صراع درامي حقيقي بين اثنين. يبدأ الشريط بمشهد لشاب أسود وفتاة بيضاء جالسين في مطعم. هي تبكي. ثم يبكي هو حالما يفتح صفحات من علاقة ماضية. بعد ذلك، نشاهد امرأة ورجل يهوديين جالسين في مقهى. هو يبكي وهي تبكي. ثم تعود المرأة اليهودية إلى البيت وتقص على ابنها أنها وجدت رجل أحلامها. ثم نشاهد الفتاة الأولى تخرج وتلتقي برجل آخر في مطعم آخر. هي تبكي. هو يبكي. انتقال إلى البيت اليهودي مرّة أخرى: الابن يدخل باكياً. الأم تبكي. وكل هذا في الدقائق العشرين الأولى من الفيلم. بنية مستقلّة التفكير والشغل الأسلوبي من المخرج الأميركي تود سولوندز، لكن ليس كل ما هو مختلف وبديل أو مستقل، أفضل من سواه.