strong> سناء الخوري

هل تفكرين يا هنادي في العودة إلى فلسطين؟ يسأل صوتٌ من خارج الإطار المراهقة السمراء، الجالسة على عشب إحدى الحدائق الفرنسيّة، مع أختها الصغرى عبير. الفتاتان ابنتا خليل يحيي ــــ أبو فارس ــــ مهجّرٌ من فلسطين عام 1967، قذفته الأقدار إلى الأراضي الفرنسيّة. هناك يعيش حلم العودة، ويعلِّم أولاده العربيّة وأغنيات فيروز وأشعار محمود درويش. نتابع هذه القصّة في «ثوب الغير لا يدفئ» (fémis)، الشريط التسجيلي القصير، لروي عريضة (1985) الذي عرضَ ضمن مهرجان الفيلم اللبناني» (Né à Beyrouth...) الشهر الماضي.
«قد أذهب إلى فلسطين عندما أشيخ»، أتت الإجابة. أختها مترددة أيضاً، رغم أنّها أسرّت للكاميرا قبل قليل بأنّها فلسطينيّة الهويّة لا فرنسيّة. يعود صوت المخرج نفسه ليسأل أبو فارس عن رغبة أولاده بالعودة... فيجزم الرجل الأربعيني بأنّ العودة هي حلم أولاده الوحيد.
إنّها حلم الأولاد بالوراثة وحلم الأب بالأصالة... وتلك هي المسألة. قد تكبران وتغضّان النظر عن فكرة العودة من أساسها. الرسالة فيها شيءٌ من اللؤم، نقول للمخرج. طالب الـ Fémis


«ثوب الغير لا يدفئ» عن حلم العودة والمنفى الحميم
(المدرسة الوطنيّة العليا لمهن الصوت والصورة)، الأكاديميّة السينمائيّة الأعرق في فرنسا، عدّ الملاحظة إطراءً. «هذه الحقيقة مؤذية لمن يعيش انتظاراً يومياً، بلا هويّة وبلا أرض. أردت أن أصوّر كيف يغيّر المنفى الإنسان». بعد 13 ساعة تصوير، وستة أسابيع مونتاج، خرج روي بقصّة يرويها البطل، بصوته المليء بقسوة شرقيّة، وبألم التهجير والحنين. تركز الكاميرا على عينيه، على يديه تقلبان مسبحة أو تزرعان صنوبرة في الأرض، تتبعه وابنتاه إلى تظاهرة لنصرة قضيّة الأرض المحتلّة. حقل الرؤية قريب، تكاد العدسة تلتصق بالأشخاص، في خيار تسجيلي يحمل الكثير من الحميمية. «قضايا الهويّة والغربة، تعنيني في الصميم، وأشعر بمسؤولية الحديث عنها. لكن مسؤولية الصورة في المقابل، تبعدني عن البروباغندا والشعارات، فنقل القضايا السياسيّة، كما يعيشها الأفراد في حميمياتهم اليوميّة، خيار أنجع برأيي، ويدفعنا للتماهي معهم، ويحثنا على التفكير».
روي عريضة المتأثر ببرهان علويّة وإنغمار برغمان، أنجز خمسة أفلام قصيرة حتّى الآن، في انتظار فيلمه الروائي الطويل. رغم بساطة «ثوب الغير لا يدفئ»، يلفتنا الشريط إلى أنّنا في حضرة مشروع سينمائي متمكّن من لغته ومن أدوات المهنة. «عندما تختار السينما مهنةً، يكون ذلك خيارَ حياة...»، يقول الشاب بنبرة وجوديّة. يتابع: «أتمنى ألا تضطرني المعوّقات الماديّة، في هذا العصر الغارق بعشوائيّة الصورة، إلى العمل في مجال الإعلانات أو الفيديو كليب».