ينطلق الفيلم من بدايات الثورة الكوبية، ليتعقّب مسيرة الثائر الأرجنتيني من خلال مذكّراته وشهادات رفاقه الأحياء

زياد عبدالله
دفع فيلم «تشي» إلى البحث عما آلت إليه أيقونة أرنستو تشي غيفارا في ظل العولمة، بعيداً عن «الخطر الشيوعي» الذي يمثّل استبعاده ربما أحد أسباب ظهور فيلم أميركي بإنتاج ضخم يتغنّى بمعارك رمز شيوعي. وهو الأمر الذي كان مستحيلاً خلال الحرب الباردة. كما أنّ الآلة الإعلامية الرأسمالية ما عادت مهتمة الآن باعتباره «قاطع طريق» أو قاتلاً وسفّاحاً. بل وجدت أنّ من الأجدى تحويله إلى Brand (ماركة تجارية) وتقديمه كصورة على «تي شيرت» أو كاسم عطر، أو سيجار كوبي كثيراً ما حمله الثائر الأرجنتيني، وكل ما يمكن أن يحوّل الأيقونة إلى سلعة.
ينقسم Che إلى جزءين: الجزء الأول يُعرض حالياً على أن يقدَّم لاحقاً الجزء الثاني، ويتعقّب حياة هذا الثائر ومسيرته الثورية. ينطلق الجزء الأول من ثورة 26 يوليو الكوبية ليتحرّك من خلالها في خطين زمنيّين يتمركزان حول الثورة: الأول يعود بغيفارا (بينيسيو دل تورو، الذي نال عن دوره جائزة أفضل ممثل في «مهرجان كان» الأخير) إلى علاقته بفيدل كاسترو (دميان بيشير) قبل بدء الثورة وخلالها. بينما يمضي الخط الثاني متقدماً عن زمن الفيلم الرئيس، حيث يقدِّم زيارة غيفارا للأمم المتحدة في نيويورك وخطابه الشهير.
يوثّق الشريط حياة غيفارا رصاصةً برصاصةً، مع استبعاد أي آراء مسبّقة أو تغليب لوجهة نظر على أخرى، وخصوصاً تلك التي تتعلّق بمقاربة غيفارا وأسطورته. لا بل إنّ الأمر يدفعنا إلى السؤال عن دافع المخرج والمنتج ستيفن سودربيرغ إلى تقديم هذا الفيلم. الشريط يلهث خلف تفاصيل حياة غيفارا في الأدغال، من خلال الاتكاء على مذكراته وشهادات جمعها كاتب السيناريو بيتر بوتشمان على مدى سبع سنوات حسبما يقول، وتضمنت لقاءات موسعة مع من بقي من رفاق غيفارا، بينهم ثلاثة قاتلوا معه في كوبا وبوليفيا.


هل نجح الفيلم في تحرير غيفارا من الأسطورة؟
يبدأ الفيلم ـــــ المصنوع بإتقان ليس غريباً عن سودربيرغ ـــــ من وصول غيفارا مع فيديل كاسترو ورفاقه على متن قارب حملهم من المكسيك إلى جبال سييرا في كوبا وبدأوا منها حرب عصابات ضد نظام باتيستا. وينتهي الجزء الأول بانتصار الثورة الكوبية، ويمضي الجزء الثاني مباشرة إلى بوليفيا وتخلي غيفارا طبعاً عن مناصبه بينها منصب وزير الصناعة الكوبية، بهدف مواصلة نضاله الثوري في ذلك البلد، وصولاً إلى نهايته المأساوية. طبعاً بين المرحلتين، هناك مرحلة غامضة لا يتعرض لها الفيلم في حياة هذا الطبيب الثوري لأنها غير موثّقة تماماً، أمضاها في أفريقيا بهدف تصدير نموذج الثورة الكوبية إلى القارة السمراء.
فيلم سودربيرغ مأخوذ تماماً بتعقّب حياة غيفارا الثورية. وهو بلا أشك أفضل بكثير من شريط البرازيلي والتر سالس «مذكّرات دراجة نارية» (2004) الذي تناول البذور الأولى لنزوع غيفارا الثوري، ومن الفيلم الفاشل المليء بالكليشهات الذي أخرجه ريتشارد فليشر عام 1969 وحمل عنوان «تشي» وجسّد فيه عمر الشريف شخصيّة غيفارا.
يمثّل شريط سودربيرغ دعوة حقيقية إلى كل مَن يريد أن يتعرف على غيفارا المقاتل الشرس والمحترف من خلال مقاربة حياته اليومية والمعارك التي خاضها. لكنّ كل ذلك يمضي أمامنا من دون دخول سودربيرغ وكاتب السيناريو في أي شيء يتعلّق بأحلام غيفارا وقناعاته الماركسية، ودوافعه نحو المضي قدماً في النضال، أو حتى صراعاته النفسية ربما.
الأيقونة الثورية التي صارها غيفارا، ورمزية شخصيّته المتخطية للحدود والانتماءات ستكونان خارج حسابات الفيلم. إذ إنّ عَين سودربيرغ هي على أنسنة غيفارا، على حقيقة ما قام به من دون الاتكاء على ما أحيطت به شخصيته حول العالم. لكنّ المفارقة أنّ كل هذا الإصرار على تصوير حياة غيفارا من دون رتوش أو منكّهات، لم تُفض إلا إلى تأكيد شخصيته الاستثنائية، لا بل تأكيد أسطورته.


«غراند لاس ساليناس» (06/540970)، «غراند ABC» (01/209109)، «غراند كونكورد» (01/343143)