المسافة إلى الشّام 350 كم. استغرق معنا الطريق 6 ساعات ومع آخرين قد يتجاوز الـ 8 ساعات، فلنبتهج بأننا ربحنا ساعتين. ترجّلنا عند ساحة الأمويين. ألقيت نظرةً ذابلة على نصب السيف الدمشقيّ، للوهلة الأولى كان بالأبيض والأسود، ثم توسّعت حدقتاي وصارتا ملوّنتين وأذناي تسمعان فيروز في معرض دمشق الدولي 1960: «ورفيقك البلبل شو مشتقلك كتير مخبيلك بعبّو شي مية سوسنة»، تصلح هذه الأغنية كي تهدى لمدينة أيضاً.


أخيراً تعلّمت الوصول إلى بيت صديقتي في «ركن الدين» بسهولة. سابقاً، كنت أضيع كثيراً في الأزقة المنحوتة في كبد الجبل وأصعدها دوماً بقدمي الطفل بطل الفيلم الإيراني «أين بيت الصديق؟». بين ساحتي «شمدين» و»الميسات»، لم أكن يوماً كرديةً مع أن اسمي «نسرين». كم تمنيت لو أستطيع أن أقايض صديقتي كمشة كلماتٍ سريانيّة بجملةٍ من أغنية لمحمّد شيخو، لكن كلتانا لا تتكلّم لغة أجدادنا، بل نتبادل النكات وننتحب بالعربية. الهدف المُعلَن من هذه الزيارة توديع صديق سوف يسلك درباً سبقه إليه كثير من المعارف والأصحاب والأغراب الّذين قد يختلفون في كلّ شيء، ولكن يجمعهم جواز السّفر الكحليّ الصّغير. لكثرتهم، صار يختلط عليّ الموضوع قليلاً فأسأل قريبتي التي وصلت النمسا عن الطقس في اليونان، وأمي عن أحوال ابن جيراننا في ألمانيا، لتذكّرني بأنه غرق في تركيا. الوداع لم يعد يحمل ذلك البعد العاطفيّ، صار القلق سيّد المشهد: تحضنهم وأنت تبكي عليهم سلفاً، متناسياً أن احتمال موتك هنا في الدّاخل أكبر. الشّام تزداد ازدحاماً بشكلٍ قد يبدو متناسباً طرداً مع عدد الرّاحلين عنها، وهذا غير مستغربٍ في عاصمة بلدٍ يوقظك فيه كلّ يومٍ صياح حدثٍ سورياليّ جديد. الصّفة الغالبة على النّاس هنا هي التّأخر عن المواعيد، أعتقد أنه كان قسرياً في البداية ومن ثمّ صار أسلوب حياة، شيءٌ يشبه بشكلٍ ما الرّاحة في العودة إلى تقنين الكهرباء 3 بـ 3 بعد تجريب الـ4 بـ2. شيءٌ بإمكاننا دعوته «التدجين».


في سوق البزورية، انتعلتُ قباقيب السّكّر ومشيت نحو طفولتي

صباحاً، اجتمعنا في مقهى بين شارع الحمراء وساحة النجمة، تقول صديقتي: «لو كان لدرج هذا المقهى فمٌ لباح بالكثير». صديقي يقول: «المقهى تغيّر بعد رحيل النّادل سمير، نحن نألف الأماكن بسبب من يشاركوننا إيّاها». يسعدني أنني لا أربط الأماكن بالأشخاص وإلاّ لكنت شربت الشّاي وأنا أراقب اثنين يشربان نخب خيانتي على الطّاولة المقابلة قبل 7 سنوات، وهذا قد يدفعني إلى إضافة ملعقة سكّر أُخرى إلى الشاي والجروح. ليلاً في الطابق العلويّ من مطعمٍ في ساحة عرنوس، اخترت الكرسيّ المحاذي لطرف التراس، لأكتشف أنّ الإطلالة ليست على يساري بل أمامي. هنا حيث يشاركك قاسيون العشاء، فتفهم أن الكحول ليس ممنوعاً بل وببساطة لا حاجة إليه، بأضواء البيوت المقابلة تثمَل. لم أعد أحبّ المقاهي الثقافية، لا أفهم الفكرة من ارتباطها برداءة المشروبات. يدخل مخرجٌ مهمٌّ لا يكترث به كل السيليكون الموزّع على الطاولات على شكل نساء، يدخل وسيمٌ أعطي دوراً تلفزيونياً من سطرين ونصف السّطر، فيزلزل المكان. الثقافة تلعب النرد في مكانٍ آخر.
في الشام القديمة؛ لبس الكعب العالي ليس مزعجاً بالمشي فقط بل ساديٌّ أيضاً، فأنتِ تطرقين به الحجارة وقد تدوسين على أعناق قصص حبٍّ مستلقيةٍ هنا أو هناك. بالمناسبة لقد بحثت عنه كثيراً في المقهى الّذي أحبّه لأنّه ما زال بدائياً بلا شاشات ضخمة وأغانٍ هابطة، وعلى واجهات محال الأنتيكا والدامسكو، في الحانات، وتحت قوس باب شرقي، في ساحة الدوامنة وفي سفل التلة، وفي حارة اليهود، وفوق المئذنة المرمّمة... ولم أجده، أقصد الحبّ. عثرتُ في طريقي على كثير من العلاقات العابرة الّتي تمرّ بسهولةٍ على الحواجز. في سوق البزورية، انتعلتُ قباقيب السّكّر ومشيت نحو طفولتي. «دارٌ بها السَّعدُ بدا والهمّ عنها جُرِّدا» بيتُ الشِّعر هذا منقوشٌ فوق باب غرفة في فندقٍ دمشقيّ بهيّ، تساءلت: هل يعلم النزلاء أنهم - حرفيّاً - يجلسون في صحن دار الجنّة؟ الجنّة التي تكاد تنسيني الحرب، لولا صوت القذائف الّذي لم أعتد عليه. أنا التي لم أنفض عنّي دخان بارود حمص بعد، ما زال سؤالي الدّائم: صادرة أم واردة؟ وقلبي يقول: ما الفرق؟ فعلى كلّ الأحوال، قد تسقط فيَّ. فكّرت كثيراً بصديقتي الّتي كانت تسكن القيمرية وانتقلت خشية القذائف إلى مشروع دُمَّر، ثمّ ماتت في حادث سير على طريق البيت الجديد. هنا تتجلّى قدريّة الموت بصورتها النّاصعة التي لا ريب فيها، لا تلك المقلَّدة التي نتعكّز عليها كي نخرج من المنزل كلّ يوم، من دون أن نشير بها مباشرةً إلى أعين القَتَلة.
* شاعرة سورية