تقف ثلاث فتيات عاريات في لوحة «النعم الثلاث» (1531) للوكاس كراناش. تدير الفتاة الأولى ظهرها، ويبرز الجزء الأمامي من جسد الوسطى بينما تقف الأخيرة جانبياً. تعمد الفنان الألماني في لوحته، تظهير جوانب جسد المرأة من زوايا ثلاث أمام خلفية سوداء. هذا توصيف عام للوحة. وإذا أردنا تصويرها بالاستناد إلى معرض «الحقيقة العارية» لعمار عبد ربه، فستكون: امرأة بمؤخرة مستديرة، وأخرى بنهدين صغيرين وحلمة زهرية فاتحة، وثالثة بنهد بارز وردف بضّ. في «الحقيقة العارية» الذي يستمر حتى 7 تشرين الثاني (نوفمبر) في «غاليري أيام» (السان جورج ــ بيروت)، يقارب الفوتوغرافي السوري (1966) السلطة الدينية والسياسية الراهنة، عبر ست عشرة صورة يمارس فيها فعل الرقابة ذاتها على أجساد نسائه. هكذا يشرع نقاشاً آخر حول وحشية اختراق العام للخاص، مقترحاً الخيال سلاحاً لمواجهة هذه السلطة بالاستناد إلى التراث الديني العربي نفسه. ينطلق عبد ربه من الرقابة بوصفها بتراً للجمال. يستلهم عمله من إعلان تضمن لوحة كراناش الشهيرة، تعرضت فيه الأجساد الثلاثة للحجب بخطوط سوداء بدافع «الحشمة» حين نشر في إحدى الدول العربية.


حادثة مختصرة لـ «الحجب السوداء» التي تغطّي العقول قبل الأجساد. في صوره متعددة الوسائط، يستعير عمار عبد ربه فعل الرقيب مشوهاً أجساد النساء، الكائنات التي تطالها السلطة بشكل مباشر. على الأسرة وأمام المدينة وفي الحمام، يصوّر الفوتوغرافي نساءه من زوايا متعددة. ثم يقوم بفعل البتر لأعضائهن عبر طبقات أكريليك كثيفة كعيون متزمتة أو أياد تتسلل حتى إلى الأسرة. غياب ملامح الأعضاء الحميمية يوحّد الأجساد، رغم اختلاف حركاتها ووضعياتها والأجزاء الظاهرة منها. هناك امرأة تمسك هاتفاً، وواحدة تتزين، وأخرى يظهر الجزء السفلي من جسدها بينما تستحمّ.
في لقطات أخرى، يصنع عبد ربه ما يشبه الصور الشمسية، مقرباً عدسته على عضو واحد، وعلى تفاصيل محددة تعزلنا عنها بالطبع البقع المتمددة. ممارسات عمار يدفعها ميل سادي نحو فقئ الفضاءات الحميمية والخاصة لكل صورة، نزولاً عند «أوامر» عامة وماورائية دينية أو مجتمعية راسخة. هي تلك الخطوط السوداء التي تغطي العين لا الصورة.


أنجز الخطاط السوري عقيل الكاليغرافيا على الصور
وإذ يجسد عبد ربه هذه السلطة الدينية على الأجساد مباشرة، فإنها ليست سوى ذريعة للسخرية وللنيل منها بأدوات من التراث العربي الإسلامي. فوق البقع اللونية بالأسود والأحمر والأصفر والأزرق، كتب الخطاط السوري عقيل عبارات وإن تبدو في الظاهر صارمة أو دينية، فهي تقطيب لندوب النساء، وإعادة ملامح أعضائهن وكيانهن المحجوب؛ «نهدان صغيران»، «ثدي يمين مع حلمة زهرية اللون»، «أبو شفرين منزوع الشعر بالكامل مع شفرين بارزين»، «ما بين النهدين»، «مؤخرة مستديرة وبارزة ممشوقة». اختار عبد ربه هذه العبارات من «الروض العاطر في نزهة الخاطر» الذي كتبه النفراوي للتعليم الجنسي باللغة العربية في القرن الخامس عشر! طوع رجل الدين حينها اللغة العربية وانحناءاتها لتوصيف الأجساد والأعضاء الحميمة، مشرحاً الفعل الجنسي بتأنٍّ، فتم تصنيفه مرجعاً للأدب الإيروتيكي، ترجم إلى لغات عدة. هكذا تبدد مصطلحات الكتاب الفجة الطبقات العازلة الكثيرة حتى لتكاد تتفوق على الصورة الحقيقية للجسد، وعلى القيمة المادية للأعضاء. لا يتنازل عبد ربه عن الإشكاليات الجمالية أمام انشغاله باللحظات السياسية والتبدلات اليومية الآنية. وأحياناً، ستبدو هذه التبدلات العامة مجرد ذريعة للتوغل في مساحات أكثر خصوصية. تبتعد الصور عن سياقها الزمني الحاضر لتقع في الخط الجمالي الفاصل بين العري والجحاب، وقدرة الأخير على استثارة الخيال والرغبة والشوق والدفع إلى التمزيق. ولعل الصورة الأكثر تجسيداً بشكل مباشر لمفهوم المعرض هي «قراءة الأخبار». تظهر اللقطة الجزء العلوي لامرأة تقرأ الجريدة. تغطي الجزء الأيسر صفحة عليها علم «داعش» مع عبارة «لا إله إلا الله»، تقابلها في الجزء الثاني طبقة لونية سوداء كتب عقيل عليها «ثدي يمين مع حلمة زهرية اللون... صغيرة الحجم».

«الحقيقة العارية» لعمار عبد ربه: حتى 7 تشرين الثاني (نوفمبر) ــ «غاليري أيام» (السان جورج ــ بيروت). للاستعلام: 01/374450