«ممارسة الجنس ممكنة بعد النوبة القلبية»، «هل تتمزّق البكارة عند ممارسة الجنس من فوق الملابس؟»، «عندما تكون عملية الجماع مؤلمة». هذه العناوين وغيرها باتت خبزاً ليوميات اللبنانيين على مواقع التواصل الاجتماعي، مصدرها مواقع إخبارية وإلكترونية. منذ حوالى سنتين، تحاول هذه المواقع إرساء موضة المواضيع الجنسية المثيرة الخارجة عن أي مضمون علمي ومهني. كل هدفها اصطياد العدد الأكبر من المتصفحين تزويدهم حصراً بـ «الإثارة والسطحية» بل قل التفاهة.


لا شك في أنّ الجسم الصحافي في لبنان منهك ويرقص على حافة الهاوية جرّاء تراجع إيرادته الإعلانية ومصادره التمويلية، فبات يبحث عن أي قشة نجاة آملاً بالإنقاذ ولو على حساب المهنة نفسها.
طبعاً، هذا الكلام لا يبرّر ما وصلت إليه المهنة في هذه الأيام، من خلال ضخّ عشرات المواضيع و«النصائح» الجنسية يومياً. وهي أمور تغيب عن غالبيتها المصادر الموثوقة والعلمية، فيأتي الخبر على شاكلة: «بعض الدراسات أشارت إلى»، أو «بعض الأرقام تتحدّث عن». هذا «البعض» غير المعروف المصدر أصبح يتصدّر هذا النوع من المواد المنشورة إلكترونياً، وساحاته الخصبة طبعاً السوشال ميديا التي تشكل بدورها مصيدة محكمة لأغلب المستخدمين.

كما هو معروف، فـ «النهار» هي التي بدأت هذه الموضة على موقعها الإلكتروني، ورغم تصاعد الأصوات المعترضة لا تزال الصحيفة العريقة مستمرة في ضخ هكذا نوع من الأخبار المبتذلة والرخصية. لكن مع مرور الوقت، لم تبقَ «النهار» وحيدة في هذا الميدان، إذ كرّت سُبحة طويلة بعد التزايد الكثيف في أعداد المواقع الإلكترونية الإخبارية، وفي ظل سهولة «إنتاج» هكذا محتوى ونشره.


سألت «الديار»: «هل تعرف كيف تمارس الجنس مع يابانية؟»

إذاً، متلازمة «النهار» فعلت فعلها وأرست في السنتين الماضيتين هذه الموضة التي وصلت إلى مواقع عدّة بينها lbci، و«الجديد»، وotv، و«ليبانون فايلز»، و«ليبانون 24»، وغيرها، ليغدو المستخدم أسير هذا النوع من الأخبار «المثيرة». آخر المنتسبين إلى هذا النادي، كانت صحيفة «الديار» التي طفا اسمها حديثاً على السطح، مع نشرها لأخبار جنسية غريبة عجيبة. مثلاً، نشرت في 11 أيلول (سبتمبر) الماضي خبراً عنوانه: «هل تعرف كيف تمارس الجنس مع يابانية؟». عدا عن غرابة وسطحية هذه الأخبار، فإنّها تُظهر غياباً واضحاً لقواعد اللغة العربية، ما يحيلنا على الاستنتاج أنّ الصحيفة تلجأ (ربّما) إلى تشغيل أشخاص لا علاقة لهم بالمهنة لا من قريب ولا من بعيد!؟
مصدر من داخل الصحيفة اللبنانية، يُخبرنا عن التباري الذي يحصل بين المستكتبين هناك (يحصل الواحد منهم على مبلغ ألف دولار أميركي شهرياً) على من سيجلب عدداً أكبر من المتصفحين. وإن لم تتوافر المواد الأولية لصناعة أخبار جنسية، فلا بأس من تشغيل المخيّلة وتأليف المواضيع!
واللافت هنا، استقدام موظفة منذ فترة وجيزة متخصّصة فقط بالأخبار الجنسية، لكنّها عادت وغادرت «الديار»، ليبقى شخص أو اثنان لإدارة القسم.
يصل هذا النوع من الأخبار أحياناً إلى حدّ الخيال، وتُطعّم في الفترة الأخيرة بمصطلحات وأفكار دموية كـ«سفاح القربى». ويظهر أنّ هناك جهداً مبذولاً في إدخال «مصطلحات مفاتيح» (keywords) لتسهيل مهمّة البحث على القرّاء. ومن ضمن هذه المصطلحات مثلاً: «النكاح، والمضاجعة، والجنس، والانتصاب»...
ورغم إعلاء الأصوات المعارضة لتكريس هذا النوع من الصحافة التي تشوّه المهنة وتلعب على الغرائز، سارعت مجموعة من الصحافيين الغيورين على مهنة الصحافة منذ فترة إلى فضح هذه المواقع الإخبارية عبر إعادة نشر ما تضخّه من أخبار مبتذلة.
الهدف هو السخرية منها ولفت النظر إلى الدرك الذي وصلت إليه. الصحافي حسن دبوق واحد من هؤلاء. ويؤكد في اتصال مع «الأخبار» تزايد هذه الظاهرة في الآونة الأخيرة، إذ بات من بين «كل خمسة أخبار منشورة هناك أربعة جنسية». الصحافي الشاب ارتأى أنّ إعادة نشر هذه الأخبار على حسابه على فايسبوك ليس كافياً، فعمد إلى استخراج المانيفستو الخاص بالقنوات التي عادة ما تنضح بالمثالية وبالأخلاقيات، ووضعها إلى جانب ما ينشره كلّ منها من مواضيع رخيصة، لتبيان الفارق بين الاثنين.
الصحافي ماهر الدنا بين هؤلاء الصحافيين الذي شاركوا في عملية الفضح، إنّما عبر تقنية الـ Screen Capture، منعاً للوقوع في فخ الترويج للمواقع والمساهمة في تسجيل الدخول إليها. في حديثه إلى «الأخبار»، تطرّق الدنا إلى الصدمة التي أصابته عندما شاهد صاحب إحدى الصحف المحلية يعيد نشر مواضيع مبتذلة على حسابه الشخصي على أحد مواقع التواصل الاجتماعي. وتناول الدنا أيضاً خطورة هذه الموجة، لا سيّما أنّ روّاد السوشال ميديا هم من جميع الأعمار، ومن ضمنهم صغار السنّ الذين يتم اصطيادهم سريعاً إلى هذه المواقع الإخبارية من دون حسيب أو رقيب.





ميريام خاربة البلد

إضافة إلى الأساليب الملتوية لاصطياد روّاد مواقع التواصل الاجتماعي، شكلت ظاهرة عارضات الأزياء مصدراً محفّزاً لهذه الموجة. ولهذه المسألة وجهان، الأوّل توق بعض العارضات إلى الترويج لأنفسهن، والثاني هو استغلال جزء من الإعلام لهن بغية نشر المزيد من «الإثارة». العارضة ميريام كلينك التي لا يمّر يوم إلا وتكون حديث الإعلام والسوشال ميديا، استطاعت قلب المعادلة وجرّ الإعلام إليها، عبر افتعالها العديد من الأخبار بغية فضح الميديا وتبيان مدى سهولة انجرارها إلى التفاهات. ولعلّ أبرز حدث افتعلته ميريام أخيراً، كان نشرها لصورة على إنستغرام تظهرها شبه عارية، لتعود وتحذفها، متوجهةً إلى مترصديها الإلكترونيين قائلة: «أنا بمؤخرتي أو مش بمؤخرتي بخرب البلد... يا دلّي أنا».