كتاب «الخمريات في العصر الأمويّ» (دار الانتشار العربي) لا يخلو من هجاء ووعظ ومحاكمة للشعراء الذين «لم يستطيعوا الابتعاد عن عادات الجاهلية»!


نوال العلي
تقرأ «الخمريات في العصر الأمويّ» (دار الانتشار العربي)، ولو تركت لتعاقر الشعر وسحر البيان وفضّ استعاراته لحُسبت من ضمن الندمان. لكنّ الباحثة رجاء أحمد صادق أخفقت في الالتزام بدورها البحثيّ. لا تكاد صفحة من بحثها تخلو من هجاء ووعظ ومحاكمة للشعراء، فذاك ماجن وآخر متهتك. أمّا أبو نواس «فالأكثر وقاحة»، فهل هذه لغة بحث؟
صادق تذهب أيضاً إلى الحكم على تقييم إيمان بعضهم، فإن كان أبو محجن الثقفي شرب الخمر جاهلياً ومسلماً، إلا أنّ «هذا لا يعني ضعف إيمانه بالدين الجديد، فقد كان من الفرسان الأشداء» لكنّه «كان يشكّل طبقة لم تنسلخ كلياً عن عاداتها قبل الإسلام». أمّا سحيم وهو عبد لدى بني الحسحاس، فهو شاعر لم يُحسن إسلامه و«أمثاله»، وفق صادق، «كان إسلامهم غير حقيقي وربما أسلموا خوفاً ورهبة، فلم يستطيعوا الابتعاد عن عادات الجاهلية»!
وعلى خلاف ما يتوقع المرء من أن تنكبّ مقدِّمة الكتاب على شغل الباحثة، نجد الباحث سالم علي سبيتي يورد في التوطئة تبريرات لا حصر لها، تُبعد كل شبهة عن علاقة الباحثة بالخمر. يقول «ورجاء ابنة أسرة دينية وقد ترعرعت على إيمان عميق يعاف الحرام». ثم يعود ليؤكد «هل نجحت الباحثة رجاء في بحثها، المعادي لها نفسياً واعتقاداً ومسلك حياة؟ وهل استطاعت المواءمة بين حرجها الخمري وبين الشفافية والموضوعية؟». ومثل ذلك كثير. ولو كان كاتب البحث رجلاً أو فقيهاً لما احتاج لمن يبرّر كتابته في هذا الموضوع. وما أكثر المتصوفة المتغزلين بالخمر ومجالسها، ونذكر هنا من الشعر الفارسي للحافظ الشيرازي «ألا يا أيها الساقي أدر كأساً وناولها». وعندما قيل له إن هذا المطلع للوليد بن يزيد، كان جوابه أنّ سرقة الكافر حلال.
وهذا يعيدنا إلى العصر الأموي الذي اختارته صادق، ويعيدنا إلى الوليد بن يزيد الذي تعتبره الباحثة، مستندة إلى مراجع تراثية وأخرى حديثة، «أول من اتخذ وصف الخمر وسيلة لإعلان مجونه» فسار على دربه شعراء آخرون. مثل الأقيشر وحارثة بن بدر وأبي الهندي. ومن المفارقة أن يفرد الشعراء في العصر


ازدهار الخمريّات سببه نهوض المعارضة أم ازدياد الترف؟

الإسلامي قصائد لوصف هذه «القهوة» بعد تحريمها، فيما كان ذكرها عابراً في مطولات الجاهلية. إذ تفرد صادق لخمريات الجاهلية فصلاً تحلل فيه علاقة الشاعر الجاهلي بالخمر. ثم تنتقل إلى صميم بحثها وهو ازدهار فن الخمريات في العصر الأموي، في محاولة لبناء بحث سوسيولوجي أدبي، فـ«لا حد فاصلاً بين الإنتاج الأدبي لأديب والحالة الاجتماعية التي يعيش». لكن الأبحاث السوسيولوجية تقتضي باحثاً بلا مواقف فاقعة من المجتمع الذي يبحثه.
تعزو الباحثة ازدهار الخمريات إلى أسباب كثيرة تبدو متناقضة في صميمها، منها الطبقية التي نشأ في «حضنها الأدب المترف الذي يتغنّى باللذة»، وظهور مجتمعات المدن وازدياد المشاكل الاجتماعية والتعصب وظهور الشعوبية. ولا يخلو الأمر من أثر سياسي أيضاً. فقد «شكّل الوضع السياسي فئة من المعارضة مناوئة للحكم الأموي ساهمت في انتشار اللهو، نتيجة سعيها وراء تسلية آنية تروح فيها عن نفسها» فيا لها من معارضة تتلهى عن أمور الحكم بالشراب؟ وتقول صادق «إن ارتياد مجالس الغناء والطرب، صورة مصغرة لحياة الترف التي انتشرت في المجتمع العربي». لكنها تعود لتزيد «كانت الحركة الأدبية في العصر الأموي ناشطة، تسير بمواكبة النهضة العلمية المتمثلة بعلوم القرآن والفقه».
ما أكثر التناقضات. أيُنسب انتشار الخمريات للكبت وبروز المعارضة التي تلجأ إلى الخمر لنسيان همها؟ وكيف ذلك، إذا كان أبرز شعراء الخمريات هو الخليفة الوليد بن يزيد. ألم يتغنّ شعراء البلاط الفرزدق وجرير بالخمر؟ هل ازدهار الخمريات بسبب نشوء المعارضة أم زيادة الترف؟ وهل يلجأ النقيضان للحلول نفسها؟
تجيب الباحثة نفسها عن هذا السؤال في فصل «الخمرة والغناء» فتقتبس من كلام الباحث أحمد الحوفي «ليس من الحق أن نصف عصراً ما بالجد المطلق أو اللهو المطلق». مع ذلك، لم تأل جهداً في تبكيت ذلك الزمان ووصف أصحابه بالخلاعة والعبث والضياع وصولاً إلى فصلها «الاستهتار بالدين وعقدة الذنب» وفيه يطول الحديث عن النفوس الضعيفة التي عبثت بالمجتمع فساداً وكفراً.
على أي حال، في الكتاب مختارات من أجمل ما قيل في الخمر عند العرب. وفي الحقيقة لم تأت صادق بملاحظات غير مسبوقة في بحثها عن فن الخمريات. ما قالته كتب وروجع في آثار كثيرة قبلاً. فما الحكمة من كتاب جديد لا يأتي بجديد؟