بيار أبي صعب

«الأونيسكو» هي بين منظّمات الأمم المتحدة الوحيدة التي تفرد لدول العالم الثالث موقع الصدارة، وتتيح لها أن تسمع صوتها، وتدافع عن قضاياها. سبعة أمناء عامّين ـــ من أصل تسعة ـــ على امتداد ٦٤ عاماً، كانوا من أوروبا. الأفريقي الوحيد أحمد مختار إمبو (السنغال) اقترح مشروعاً للحدّ من هيمنة الشمال على الجنوب عبر نظام اتصالات في اتجاه واحد، فأغضب إدارة ريغان. هكذا انسحبت الولايات المتحدة سنة ١٩٨٤ (وتبعتها بريطانيا التاتشريّة يومذاك)، معتبرة المنظمة بؤرة للشيوعيّين والمتطرّفين. ولم تعد إليها إلّا عام ٢٠٠٣ في عهد صديقها الياباني كوتشيرو ماتسورا.
أما وصول فاروق حسني اليوم إلى مشارف ساحة فونتونيه (مقرّ المنظمة) في باريس، فهناك من يصرّ على اعتباره ثمرة تسوية على حساب دول الجنوب. مرشّح المجموعتين العربيّة والأفريقيّة، واجه أشرس الانتقادات في بلاده حيث يستأثر بوزارة الثقافة منذ 22 سنة (أندريه مالرو نفسه كان سيصبح «عدوّ الثقافة الرقم واحد» في فرنسا، لو بقي في منصبه كل هذه المدّة)... يتّهمه خصومه في مصر، تارةً بتسطيح الثقافة وتدجينها لصالح النظام، وطوراً بتقديم تنازلات لإسرائيل... علماً أنّه كأمين عام للأونيسكو سيضطر إلى التعامل مع إسرائيل كأي دولة عضوة في المنظمة. في كل الأحوال كانت سياسته غالباً محكومة بالذعر من الإسلاميين، مثل كل رموز نظام قائم على الاستئثار بالسلطة والفساد وإفقار الشعب.
أما في الغرب، وتحديداً في فرنسا التي تحتضن مقرّ الأونيسكو، فتعرّض حسني حتّى اللحظات الأخيرة لحملات انتقاد شرسة، كمتواطئ على قمع الحريّات في بلاده، وكمسؤول يغازل المشاعر اللاساميّة ويهدّد بإحراق الكتب.
ومع ذلك، يقف فاروق حسني على قاب قوسين من منصب الأمانة العامة لـ «الأونيسكو». يقال إن النظام المصري مارس، لهذه الغاية، كل أشكال الضغوط، وقدّم، خلال الأشهر الماضية، شتّى أنواع التنازلات. كتبت الصحافة أن الرئيس الفرنسي نيكولا ساكوزي يدعم المرشّح المصري، في مقابل الاعتماد على مبارك لإحياء «الاتحاد من أجل المتوسّط»، مشروعه الذي ولد ميتاً، وجاءت مجازر غزّة لتطلق عليه رصاصة الرحمة... لقد نجح وزير الثقافة المصري في تحقيق إجماع الشمال والجنوب على معارضته. ومع ذلك، يعرف الجميع منذ أيّام، أنّه الأمين العام المقبل لـ «منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة» التي تأسست في ١٩٤٥ من أجل ترسيخ السلام، ومدّ جسور التفاعل بين الحضارات والشعوب.
يصل فاروق حسني إلى الأونيسكو، وقد باتت مع السنوات منظمة مكبّلة، مترهّلة، عقيمة، رازحة تحت عبء البيروقراطيّة. كوتشيرو ماتسورا الذي سيسلّمه الصولجان مضى قدماً في تدجينها خلال العقد الماضي، مستبعداً المشاريع الحيويّة لصالح الجوانب التقنيّة، كما يبيّن ملفّ «لوموند ديبلوماتيك» هذا الشهر (صفحة ٢ ـــ ٣ في طبعة «الأخبار»). وقد تفانى الأمين العام الذي انتهت ولايته الثانية أخيراً، في خدمة الأجندة الأميركيّة. وفي تطهير «جيوب الشغب» والطاقات الحيّة داخل المنظّمة، وإغلاق آفاق الاحتجاج والنقد والابتكار... فما هو الدور الذي سيؤدّيه فاروق حسني، أول أمين عام عربي يمسك بدفّة «الأونيسكو»؟