باريس | في 25 شباط (فبراير) 1980، كان الكاتب والمثقف الفرنسي الشهير رولان بارت (1915 ــ 1980)، يعبر الشارع في الحي اللاتيني في طريقه إلى الـ «كوليج دو فرانس» حين صدمته عربة، لتنهي في 26 آذار (مارس) من العام نفسه حياةً وتجربةً إبداعية رائدة. قبل الحادث المؤلم، كان بارت على موعد غداء مع فرنسوا ميتران، الذي سيصير رئيساً للجمهورية بعد سنة من وفاة بارت.

الحادث العبثي الذي أنهى حياة رائد السميولوجيا، وصاحب «شذرات من خطاب عاشق»، استمده الروائي الفرنسي لوران بيني (1972) لكتابة رواية غريبة، ومثيرة، رشحت لأكثر من جائزة أدبية، وحياها الإعلام الثقافي الفرنسي. في «الوظيفة السابعة للغة» الصادرة عن «دار غراسيه»، يحوّل بيني وفاة بارت إلى عملية اغتيال، تدفع إلى تحقيق قضائي ومعرفي، ينتقل بين فرنسا وإيطاليا والولايات المتحدة، ويستدعي شخصيات طبعت ذاكرة القرن العشرين، وشكلت ما يطلق عليه في الأوساط الأكاديمية الأميركية بـ»النظرية الفرنسية» French Theory.

من فوكو إلى دولوز ومروراً بإمبرتو إيكو، تصير الرواية سبراً في الحياة الثقافية الفرنسية، وتشكل مادة دسمة للغوص في تعقيدات اللغة وجانبها المظلم دون نزوح إلى التعقيدات المعرفية.
بارت ــ وفق حبكة الرواية ـــ كان يحمل يوم الحادث ملفاً سرياً يحوي معلومات عن الوظيفة السابعة للغة التي تهب صاحبها القدرة على بلاغة منقطعة النظير! يفترض الروائي بيني أنّ بارت اكتشف وظيفة اللغة السابعة كما رومان جاكبسون (1896-1982) الذي فضل التعريف بستّ وظائف للغة، وحفظ السابعة لأنها سلاح خطير على الجنس البشري، من يملك أسراره قد يستطيع «إقناع أي شخص في أي وقت بأي شيء». مجاز «الوظيفة السابعة» الساخر من رجال السياسة، وقدرتهم على التغرير بالمواطنين، يدفع إلى اغتيال رولان بارت كما تتخيل الرواية.
يعتمد بيني تقنيات القصص البوليسية للانطلاق في مغامرته الروائية التي ترسم على غلاف الكتاب سؤالاً عريضاً. من قتل رولان بارت؟ هكذا يضطر محقق من الاستعلامات العامة، شبيه بالشخصيات السينمائية، إلى التحقيق في حادث الاعتداء بأمر من المكتب الرئاسي لفاليري جيسكار ديستان، الذي يعلم أن العثور على وثيقة شبيهة سيعيده إلى هرم السلطة الفرنسية. يستعين المحقق عنوة بأستاذ مساعد للسيميولوجيا، من «جامعة باريس الثامنة»، معقل اليسار والفكر المجدد في الثقافة الفرنسية خلال النصف الثاني للقرن العشرين، يرافقه في بحثه عن قتلة رولان بارت. تتدافع الشخصيات التاريخية في الرواية، فيستحضر منها: ميشال فوكو، وجيل دولوز، وجاك دريدا، إلى جانب جوليا كريستيفا ولوي ألتوسير وآخرين...


يستعيض عن تعقيدات اللغة بالسخرية، فيلتقي القارئ ميشال فوكو في حمام سونا!


يكتشف الضابط الذي يلتمس الحقيقة، نادياً غريباً للقتال خلال تحقيقاته. لكنّه ناد لا يعتمد القوة البدنية في القضاء على الخصوم، كما في رواية «نادي القتال» لتشاك بالنيوك، الذي يستلهمه بيني في روايته، بل يعتمد فيه كل «مقاتل» مثقف المهارات اللغوية والبلاغية لدحر الخصوم، بينما عقاب الخاسر قطع أصبعه. في مقابل المعارك السوريالية للنادي، تدور معركة شرسة بطلاها مرشحا الرئاسة لعام 1981 فاليري جيسكار ديستان وفرنسوا ميتران اللذان يعيشان أوج حملتهما لبلوغ السلطة.
يدفع التحقيق بالرواية إلى الانتقال من «جامعة باريس الثامنة»، إلى إيطاليا وتحديداً «جامعة بولونيا»، حيث امبرتو إيكو الوحيد الذي لم تجعله الرواية شخصية كاريكاتورية، والبندقية ونابولي وصولاً إلى «جامعة كورنيل» الأميركية مروراً بملاهٍ مثلية، ومطاعم، ونهائي دوري ويمبلدون للعبة التنس عام 1980. يستعيض الكاتب عن تعقيدات اللغة بالسخرية، فيلتقي القارئ ميشال فوكو في حمام سونا، ويشهد بطل الرواية حوادث غريبة ومعاشرة جنسية على آلات طابعة وفي أروقة جامعات، وفي أماكن لا تخطر في بال. تتنذر الرواية من شخصيات مختلفة كبرنار هنري ليفي، ووزير الثقافة الأسبق جاك لانغ، والروائي فيليب سوليرس، والوزير لوران فابيوس وآخرين.
على الرغم من أنّ بيني يبلغ 43 عاماً، إلأ أنّ روايته التي تجعل من الواقع مادة للتخييل، تقترب كثيراً من «الحقيقة» التاريخية للأفراد الذين تحكيهم، وفق نقاد مجايلين للحقبة. إنها فوتوغرفيا أمينة نوعاً ما عن المناخ الذي عاشته الساحة الفكرية الفرنسية في الثمانينيات، والصراعات السياسية التي تشكلت حينها، لوصول الحزب الاشتراكي إلى الحكم مع فرنسوا ميتران. لوران بيني تحول إلى أحد أشهر الروائيين الفرنسيين، مع عمله HHhH الذي حاز عام 2010 جائزة «غونكور» لأول عمل روائي. في هذه الباكورة، استعاد بيني قصة تاريخية تحكي محاولة مظليين تشيكوسلوفاكيين اغتيال مجرم الحرب النازي رينهارد هيدريش. الرواية لقيت ترحيباً واسعاً في فرنسا والولايات المتحدة الأميركية. وهو الترحيب نفسه الذي تلقاه قصة بارت التي ترسخه في نادي الكتّاب الأبرز على الساحة الروائية الفرنسية.