مرافعة طويلة يلقيها محمد عضيمة في مواجهة خصوم أدونيس، مازجاً سيرته كقارئ لـ «مهيار الدمشقي»، وتأثير الأخير في تأصيل الحداثة الشعرية العربية كمؤسس أوحد لها، نافياً عن الآخرين من مجايليه أو من سبقهم، أي دور تأسيسي في هذا المجال. لكنه من موقع» المريد»، يطالب الآخرين بالطواف حول كعبة الحداثة الأدونيسية كي يحصلوا على دمغة الاختلاف.


مرافعة تعجّ بالمتناقضات والارتجال والشفوية. في حين يصب جام غضبه على الأوزان الشعرية، والقصيدة الإيقاعية، بوصفهما قيداً لحرية مشتهاة، يتجاهل أن معظم شعر أدونيس الذي اختاره في كتابه «عندما أختار من شعر أدونيس» (دار التكوين- دمشق) ينتسب إلى التفعيلة بامتياز، وليس إلى قصيدة النثر التي يراها ملاذاً نهائياً لفكرة الحرية المطلقة في الكتابة.
كما أنه في هجائه للميتافيزيقية التي وسمت معظم التجارب الحداثية العربية، لا يتمكّن عملياً من نفي هذه التهمة عن أدونيس نفسه. بالإضافة إلى ذلك يستهجن القصائد الطويلة، مستغرباً الانخراط بها كدلالة على النَفَس الطويل وحسب، أو إنها موضة أصابت شعراء الحداثة بلوثتها تحت مسمى «الوحدة العضوية للقصيدة»، فيما تنتسب معظم قصائد صاحب «هذا هو اسمي» إلى هذه «الموضة» (!).
على هذا المنوال، يستطرد الشاعر السوري المقيم في طوكيو في تنظيف حقل أدونيس من الأعشاب الضارة والألغام بقصد تنصيبه إماماً أوحد، أو شيخ طريقة حفر بعصاه الصخور، فانبثقت مياه الحداثة.


مرافعة طويلة يلقيها
محمد عضيمة في مواجهة خصوم أدونيس

لن نجد ذكراً لشعراء مثل بدر شاكر السياب، أو البياتي، ولا رفاق أدونيس في مجلة «شعر». وحده كان يحمل المعول لتهديم أوثان الخليل بن أحمد الفراهيدي، كأن طه حسين لم يُحدث زلزالاً نقديّاً في تفكيك الشعر الجاهلي والنص المقدّس، ذلك أنّ «الثابت والمتحوّل» وفقاً لمقدمة هذا الكتاب هو المرافعة الجمالية الوحيدة التي اتكأ عليها الشعراء جميعاً. وإذا بهذا المصطلح يتحوّل كرونولوجياً إلى «يافطة عمومية، ومنهج في الحياة، وفي الحب والقهوة الصباحية والصداقة والإشارات الضوئية». بالطبع، لا ينكر أحد أهمية مثل هذا الكتاب نقديّاً، مع الإشارة إلى أن هذا المصطلح، كان أول من استخدمه هو جاك بيرك وليس أدونيس. ولكن هل تستوي مساهمة أدونيس النقدية في تفكيك الموروث العربي، ومنجزه الشعري؟ هناك مسافة واضحة بين المنجزين، ذلك أنّ شعرية أدونيس بقيت في دائرة نخبوية ضيّقة، خلافاً لمساهمته الفكرية المتفرّدة والاقتحامية والمضادة، فيما يسعى صاحبنا من دون هوادة إلى تعميم ذائقته الشخصية على الآخرين باستبدادية صريحة، لا تتواءم مع أطروحاته حول الحرية، فهو لا يتردّد في القول إنّ أدونيس المُترجم إلى اللغات الأخرى، قد منح الشعر العربي مظلّة وغطاء عالميين لا غبار عليهما ولا اعتراض. كما أنّ خصومه تأثروا به، ولن يستطيعوا إنكار ذلك. هذه الحماسة العالية في الدفاع عن أدونيس وإطاحة خصومه بالضربة القاضية تحمل من الأذى أكثر مما تحمله من المديح، إذ تضعه في موقع الخاسر. وها هو أحد أشدّ مريديه الشخصيين يميط اللثام عن أسباب المعركة، فإذا كان شعر أدونيس في هذا المقام الصوفي، فهو لا يحتاج إلى مرافعة في الأصل. معركة محمد عضيمة في توقيتها، تبدو دفاعاً عن مواقف أدونيس الأخيرة مما يجري في بلاده، والاتهامات التي طالته حول هذا الموقف، من خندق شخصي أولاً وأخيراً، وإن لم يعلن ذلك صراحةً، فمساهمة أدونيس الشعرية أو الفكرية في المدوّنة العربية لا تحتاج إلى اختبار جديد، ونظنّ أنه خارج هذه الشبهات، أو الارتدادات.
المفارقة أن محمد عضيمة الذي كان ينافح عن الشعر الجديد، ويتهم أدونيس وسواه من شعراء الحداثة الرواد بأن أشعارهم وقعت في دائرة مغلقة منذ زمن طويل، ها هو يلتفت إلى الخلف في مراجعة تاريخية، ويلقي التحية إلى شاعره المبجّل على الطريقة اليابانية في الانحناء، طالباً المغفرة، جراء طيشه القديم، مطالباً إيانا بقراءته في كامل يقظتنا وحواسنا الخمس، وليس في السيارة، أو القطار، أو المستشفى، كما نفعل مع شعراء آخرين، لا يحتاجون إلى طاقة عالية من التركيز والانتباه: «حدث لي أن قرأت ذات مرّة كتاب «مفرد بصيغة الجمع» وأنا جالس أسند الظهر على عمود في بهو المسجد الأموي في دمشق، فشعرت كأنني أطالع كتاباً تناولته من إحدى زوايا المسجد» يقول. في ضربة مباغتة تشبه ضربات السيف الياباني، يمزّق صاحب «لا لن أعود إلى البيت» أحشاء القصائد الأدونيسية بلا رحمة، عائداً بها إلى حظيرة «الهايكو»، في كيمياء جديدة تطيح الوحدة العضوية لقصائد طويلة، في مسلك جديد، أو «توليد نصّ من رحم نصّ آخر»، في كولاج لا يرمي إلى إعادة الكتابة، بل «إعادة ترتيب لبعض الكتل اللغوية لتؤدي وظيفة مختلفة وجديدة». تعالوا ننسى مطولات «كتاب التحولات والهجرة في أقاليم الليل والنهار»، و»المسرح والمرايا»، و»المطابقات والأوائل»، و»تنبأ أيها الأعمى»، و»أغاني مهيار الدمشقي»، ونشارك محمد عضيمة شغبه، وألعابه المسليّة، في عزلته اليابانية. أهلاً بكم في حديقة» الهايكو» الأدونيسية.