بعد جبر علوان، يقتفي السينمائي العراقي آثار مثقّف وكاتب من رموز جيل النكسة. من قرية حصين البحر على الساحل السوري، إلى ألمانيا فباريس، نتابع «رحلة حنظلة» مع المسرح الذي كان مجاوراً لحياته


زياد عبد الله
«كيف يخافون الحب وهو أجمل شيء في الحياة؟ لأنّ الأرواح الفقيرة لا تبحث عن الجمال بل عن النظام». من هذه العبارة المأخوذة من مسرحية «بلاد أضيق من الحب»، يبدأ فيلم «إننا محكومون بالأمل» (إنتاج «شركة الليث»). ولعل هذا العنوان سيحيلنا مباشرةً إلى الكاتب السوري الراحل سعد الله ونوس (1941 ــــ 1997). إنّه توثيق سينمائي لحياته وفعل جمالي استعادي يقدّمه المخرج العراقي قيس الزبيدي من خلال تمازج بين مادة أرشيفية خاصة وشهادات مَن كانوا حول صاحب «حفلة سمر من أجل 5 حزيران».
وإن كانت السينما التسجيلية هي فنّ إعادة بناء الواقع، فالزبيدي يعيد البناء بما يمثّل واقع ونوس الجمالي ويمنح خشبة المسرح فعلاً مجاوراً لحياته وعلى قدر متواز، لأنّ المسرح كان حياة ونوس والعكس صحيح.
يتعقب الزبيدي حياة ونوس بعدما فعل ذلك العام الماضي مع التشكيلي العراقي جبر علوان في فيلم «جبر ألوان» الذي نال الجائزة الأولى في «مهرجان الخليج السينمائي». يبدأ الشريط من قرية حصين البحر على الساحل السوري. سنشاهد طلبة في طريقهم إلى المدرسة، فإذا بنا نسمع شهادة متري عرنوق معلِّم ونوس يتحدث عنه طالباً مميزاً، ثم أخته التي تروي كيف كانت تعذبه الأمور التي لا يكتشفها وأمه تخبرنا عن الرسائل التي كان يبعثها من القاهرة وباريس.

«إننا محكومون بالأمل» يقول سعد الله. نرى كرسيه الهزاز فارغاً، ثم لقطة للبحر بين نباتات الصبار...
لن يشعر المشاهد بأنّه أمام تسلسل زمني صارم لحياة صاحب «سهرة مع أبي خليل القباني». في باريس، لن يكمل ونوس دراسته لأنّ نكسة 67 وقعت كما سيقول السينمائي عمر أميرالاي وهو يروي كيف فكرا في مقاربة واقع المواطن السوري لأن الهزيمة لم تكن بسبب قوة إسرائيل بل لضعفنا. هكذا ولدت فكرة إنجاز مجموعة أفلام عن الحياة اليومية في قرية ثم معمل ومدرسة وغيرها، وجاء شريط «الحياة اليومية في قرية سورية» (1973). ولعل النكسة ستعود وتظهر بوصفها نقطة مفصلية في حياة ونوس وهو يتحدث في فيلم أميرالاي «أشياء كثيرة كان يمكن أن يتحدث عنها المرء» حين بدت أنّها النهاية لونوس.
سنكون دائماً في فيلم ضمن فيلم، ومسرحية داخل فيلم. مع الحديث عن مسرحية «مغامرة رأس المملوك جابر» واحتفاء الجمهور الألماني بها، سنشاهد مقطعاً من فيلم «المغامرة» لمحمد شاهين المقتبس عن المسرحية. ثم نتابع المسرحية مجسّدةً على الخشبة مع مشاهد لونوس في مدينة ليبزيغ. وبالتأكيد، لن يغيب برتولد بريخت وتأثر ونوس به ما دمنا في ألمانيا.
سيحضر الشق الشخصيّ في حياة صاحب «منمنمات تاريخية» عبر زوجته فايزة شاويش التي ستروي فترة مرضه. وفي بعد معرفي ونقدي للشريط، سيتحدّث الممثل غسان مسعود عن شراكة ونوس مع فواز الساجر، قائلاً إنّ تقديس ونوس للنص المسرحي فُهم بطريقة خاطئة. إذ لم يكن يعتبره صياغة نهائية لا تتأثر بالبروفة والعرض. وهنا، سيحضر مشهد من «رحلة حنظلة من الغفلة إلى اليقظة» ولقطة لمسعود في الكواليس. سيحضر آخرون، سنتجول بين لوحات أحمد معلا وتحيته لسعد الله. سنشاهد ملصق «طقوس الإشارات والتحولات» وسيتكلم ابن قريته الروائي حيدر حيدر. أما مقاربة ماري إلياس فستكون أكاديميةً بامتياز.
بعيداً عن الشريط، يروي قيس الزبيدي عن علاقته بونّوس «تعرفت إليه في ألمانيا حين كنت أكمل دراستي، وكنت أتابع أول نشاط مسرحي واسع لما سمي «حوار بريخت» وحضر سعد الله إلى برلين عن طريق شريف خزندار الذي أخرج في تلك المناسبة مسرحية «الاستثناء والقاعدة»». ويضيف الزبيدي «بسبب إعجابي الشديد ببريخت، رحت أتعرّف إلى مسرحه أكثر فأكثر. في دمشق، عملت في «المؤسسة العامة للسينما» وشاهدت مسرحية «حفلة سمر» وتناقشت حولها مع سعد الله واكتشفت اقترابه من بريخت». ويتذكر الزبيدي «رغم نجاح المسرحية، كان عند سعد الله يتساءل عن طبيعة هذا النجاح ومصدره: أهو نوعية المسرحية الدرامية؟ أم موضوعها أي النكسة التي جذبت الناس؟».
تصلح نهاية شريط «إننا محكومون بالأمل» مثالاً للتدليل على الآلية التي اتبعها الزبيدي في سرده البصري. بعد كلمة ونوس الشهيرة في «اليوم العالمي للمسرح» (1996)، نشاهد لقطة من مسرحية «أبي خليل القباني» ثم شموعاً مضاءة، فقبر سعد الله ونوس، ثم طاولته وقد حملت نظاراته، وإلى جانبها كرسيه الهزاز فارغاً ولقطة للبحر بين نباتات الصبار، ثم لقطة لأم سعد الله، وأخيراً مشهد غروب الشمس بعدما كان الشريط قد بدأ بإشراقها. ثم نعود مجدداً إلى غرفته وصورته، بينما يطالعنا صوت ونوس على الـ Answering Machine «هنا بيت سعد الله ونوس، نأسف لعدم وجود من يرد على الهاتف، نرجو أن تتركوا رسالة بعد سماع الإشارة وشكراً». بالنسبة إلى قيس الزبيدي، يمثّل ونوس رمزاً لجيل النكسة، وللمثقف الذي آمن بالتغيير وكشفَ ضعفَ إيمانه بمن يقود إلى التغيير.


الثالوث الأزلي

يمثّل بريخت وماركس وايزنشتاين ثالوث قيس الزبيدي (الصورة) الأزلي. وهو يعمل حالياً على تصوير شريط وثائقي عن تاريخ خطّ الحجاز، لكنّه يتندر على انشغاله في تصوير أفلام أخرى أيضاً. توقّف هذا السينمائي العراقي فترةً طويلةً عن تصوير الأفلام بعد تحالف كل شيء ضد مشاريعه الكثيرة. صوّر عام 1969 فيلم «بعيداً عن الوطن» و«الزيارة» (1970) و«شهادة الأطفال الفلسطينيين في زمن الحرب» (1972) مروراً بـ«اليازرلي» (1974) فيلمه الروائي الطويل الوحيد. 15 سنة تفصل بين فيلمه «كابوس» (1991) وسلسلة الأفلام التي أخرجها عن الصراع على المياه في المنطقة العربية عام 2006. يُذكر أنّ الزبيدي قام بمونتاج فيلم «الحياة اليومية لقرية سورية» وشارك في كتابة ومونتاج فيلم «المغامرة» المأخوذ عن مسرحية «مغامرة رأس المملوك جابر»، لكنّ سعد الله ونّوس لم يُعجب بالفيلم على حد تعبير الزبيدي.