بين الانشغال بالبيئة والمرافعة عن حقوق المتحوّلين جنسياً، برز المغني البريطاني وفرقته النيويوركيّة. ثلاث أسطوانات في جعبتهم، آخرها «ضوءٌ يبكي»


أحمد الزعتري
«وجدتكَ وفي عينيك دموع حمر، سألتك عن اسمكَ فلم تجب... هل علي أن أستدعي طبيباً؟ لكنني أستلقي إلى جانبك وأمسكُ بيدك... لقد وقعت في غرام صبيٍّ ميّت». يغني البريطانيّ أنتوني هيغارتي، فيفقد أحدنا القدرة على شتم الموت. ثمة من يقترح أن الموت ليس عائقاً أمام الحب. قد يبدو هذا المشهد مقتبساً من مسرحية تراجيديّة كلاسيكيّة، لكنّ أنتوني (1971) يخرجه من رحم قضايا الإنسانيّة المعاصرة: التحوّل الجنسي، البيئة، وحتّى هتلر...
بعد طفولة قضاها بين بريطانيا وأميركا، محاولاً أن يتعايش مع تحوّله الجنسيّ، بدأ أنتوني مسيرته الفنيّة عندما حصل على منحة من «مؤسسة نيويورك للفنون» سنة 1996، لإنتاج مشروع موسيقيّ عن ناشطة في مجال حقوق المتحولين جنسيّاً. بعدها، أسس فرقة Antony and the Johnsons ومقرها نيويورك، وأطلق مع أعضائها أسطوانة تحمل اسم الفرقة، وتضمّنت أغنية Hitler in My Heart... حينها، اقترب أنتوني بشفافية من منطقة محظورة ـــــ حتى مجازاً ـــــ في الثقافة الغربيّة، مبتعداً عن تصنيفات الخير والشرّ الحادة إلى رؤية إنسانية أوسع: «من الجثث تنمو الأزهار».

يقترب من الأداء الشرقي وصوته مجبول ببحّة نينا سيمون
بعد ذلك أصدر أنتوني وفرقته أسطوانتهم اللافتة (والأقل تقديراً من النقاد والمستمعين)I Fell in Love with a Dead Boy عام 2001، وضمت ثلاث أغانٍ، منها أغنية تحمل العنوان نفسه، وأغنية Mysteries of Love كتب كلماتها المخرج الأميركيّ دايفيد لينش، وSoft Black Stars عن أغنية لفرقة Current 93 البريطانيّة التي ما زال يتعاون معها حتى الآن.
لم تلقَ الفرقة شهرة كبيرة إلا بعدما أصدرت عام 2005 أسطوانة I am a Bird Now، وفيها تتطرّق بصراحة إلى صراعات الـ «ترانس جندر» والهويّة الجنسيّة، وخصوصاً في أغانٍ مثل Today I am a Boy: «سأكبر يوماً لأصبح امرأة جميلة، لكنَّني اليوم طفل»، وأغنية Bad Girl: «قلبي في يدي الآن، بحثت كثيراً عن أجنحتي، سأولد في السماء لأنني عصفورة، والعصافير تذهب إلى الجنة». إثر ذلك، حصل أنتوني وفرقته على «جائزة ميركوري الموسيقيّة» لأفضل أسطوانة في المملكة المتحدة. في ذلك العام، تفوَّق على فرقة الروك Coldplay، وفوجئ الجميع عند تسلّم الجائزة، بتصريحه: «أعتقد أنها منافسة مجنونة بين برتقالة وسفينة فضائيّة، وقِدر وملعقة». معلّقاً على المقاييس الفضفاضة في تقويم الأعمال الموسيقيّة في هذا النوع من المسابقات.
مطلع هذا العام، أصدر أنتوني أسطوانة The Crying Light، وكرّسها لقضايا البيئة، «بمثاليّة قد تكون أكبر من الواقع»، مبدياً إعجابه بالناشطة البيئية جوان بيك التي لم تستقل سيارة منذ سنة 1973 حفاظاً على البيئة.
يستحق أنتوني هيغارتي أن نتكلم عنه كظاهرة. هو يختار المواضيع التي تؤرّق إنسان اليوم، منتمياً إلى أجيال من الموسيقيّين مزجوا الشخصي بالعام، ليصبحوا فنانين كونيين. تراه من هذا المنطلق، يبتعد عن صرعات الروك في الثمانينيات التي تقمّص روادها مثل Aerosmith ،David Bowie ،AC/DC مظهراً أنثويّاً على سبيل الموضة لا أكثر. كما تلفتنا طريقة الإخراج الفني لأسطواناته، وهو إخراج يعدّ فنّاً بحد ذاته. هكذا تصبح أغلفة أسطواناته مشاهد ممسرحة تضيف بعداً آخر إلى العمل، كما في غلاف الأسطوانة الأخيرة (اختار صورة لراقص فن الـ Butoh اليابانيّ كازو أونو). من دون أن ننسى صوته المجبول ببحّة نينا سيمون. هنا تكمن المفارقة... إذ إن صوت نينا سيمون يميل إلى الذكوريَّة، بينما يستقرّ صوت أنتوني على عتبات الأنثوية، ملوَّعاً، ومقترباً من الأداء الشرقي أحياناً بكسر نصف وربع التون.