رواية مارلون جيمس (1970) «تاريخ قصير لسبع عمليات قتل» (2014 ـــ ريفيرهيد بوكس) الحائزة جائزة «بوكر» لعام 2015، تتميز بنفحة إبداعية وبطموح مذهل، لا سيما أنّها عبارة عن ملحمة حديثة تلاحق العتق السياسي في عاصمة جامايكا مدينة كينغستون في سبعينات القرن العشرين، وحروب المخدرات في ثمانينات نيويورك، فضلاً عن غوص في جامايكا متبدلة جذرياً في تسعينات ذاك القرن.


في الثالث من كانون الأول (ديسمبر) 1976، مباشرة قبل الانتخابات العامة في جامايكا وقبل يومين بالتحديد من غناء بوب مارلي في حفلة «ابتسمي جامايكا»، يقتحم مسلحون منزله مطلقين الرصاص. كاد الهجوم أن يودي بحياة مغني الريغي وحياة زوجته، ومدير أعماله، الى جانب جرح أشخاص آخرين. يؤدي مارلي الحفلة الغنائية المجانية في الخامس من كانون الأول (ديسمبر)، لكنه يغادر البلاد في اليوم التالي، ولا يعود إلا بعد عامين.
برشاقة لافتة، تقطع الرواية عقوداً وقارات محتشدة في الوقت عينه، بتشكيلة واسعة من الشخصيات، بينها القتلة، والصحافيون، ورجال الـ «سي. آي إيه»، ومروّجو المخدرات، وحتى الأشباح، ما يحولها ملحمةً حديثةً تفرد لمارلون جيمس مكانة بين المواهب اللامعة لجيله. وليس تعدد الأصوات والشخصيات هو الميزة الوحيدة، فثمة أيضاً شغل على اللهجات المنتقلة من الإنكليزية الاميركية وصولاً الى اللهجات العامية لجامايكا.

آراء في الرواية

رأى مايكل وود رئيس لجنة تحكيم الجائزة أنّ «تاريخ قيصر لسبع عمليات قتل» كان الكتاب الأكثر إثارة على اللائحة، وشكل رواية مليئة بالمتعة الخالصة. ويتابع وود أنّه إذا كان ثمة بين القراء مَن قد يمانع إهداء الرواية «الى أمّه» لامتلائها بالجنس، والعنف والشتائم، إلا أنّ حيوية ودعابة الرواية ستكسبانها القراء. ويضيف وود: «مع أنّ قسماً كبيراً المضمون متجهم الطابع بل مروع، فإنّ الكثير الكثير منه مرح جداً».


سعي المخابرات الأميركية لزعزعة حكومة جامايكية يسارية في السبعينات، ووباء المخدرات في اميركا الثمانينات


ولا شك في أنّ هذه الجائزة التي جعلت رواية الفائز العام الماضي الأوسترالي فلانغان، يبيع اكثر من مليون نسخة من روايته «الطريق الضيقة الى اعماق الشمال» بعدما كان مؤلفها هامشياً، فإنّها ستنقل جيمس بدوره الى عالم المشاهير. سينال جيمس عن الجائزة سبع وسبعين ألف دولار، وهو اعترف خلال حفلة التسلم أنّه قبل عقد، كاد أن يقلع عن الكتابة حين رفضت روايته الأولى «شيطان جون كرو» (2005) من قبل سبعين دار نشر. صرح جيمس أنّ ربح جائزة «بوكر» أتى «سيريالياً» وأنّه سنفق الجائزة على بذلة «توصاية» (تحت الطلب) أو على كل رواية لوليم فوكز بغلاف فخم من «الورق المقوى».
من جهتهم، قارن النقاد الرواية بأسلوب تداعي الأفكار أو تدفّقها لدى فوكز، فيما يحدد جيمس اسم تشارلز ديكنز كمؤثر على عرضه المتعدد الشخصيات للمجتمع. من جهته، قال مسؤول التحرير في سلسلة «مخازن فويلز للكتاب» جوناثان رابن إنّ هذه الرواية «تثير مقداراً قوياً من فضول القارئ الى اثارة جدالات مذهلة». وتابع رابن: «هذا ما تنطوي عليه في الأساس جائزة «بوكر». إنها بمثابة دعوة القراء الى شيء لم تنجزه الرواية قبلاً»

الحبكة وتعقيداتها

تستخدم «تاريخ مختصر» قصة محاولة الاغتيال التي تعرض لها مارلي عام 1976 كعامل أشبه بالترامبولين للقفز الى بحث متعدد الأوجه والجوقات في سياسات وفقر جامايكا، في الأعراق والطبقات الاجتماعية، وفي العلاقات المتقلبة بين الولايات المتحدة ودول الكاريبي. من خلال ملاحقة الرواية عقوداً عدة، تحاول تتبع بعض النزاعات، من حرب العصابات في غيتوات العاصمة الجامايكية كينغستون، الى سعي المخابرات الاميركية لزعزعة ركائز حكومة جامايكية يسارية في سبعينات القرن العشرين وحتى تطال انتشار وباء المخدرات في اميركا الثمانينات.
كيف يتقاطع كل ذلك مع قصة مارلي؟ أمدّت اغنيات مارلي الشاعرية البائسين والمحرومين الحقوق في كينغستون وحول العالم بصوت يرفعونه. لكن اذا كان «معذبو الغيتو» تطلعوا اليه ــ أي مارلي ــ كقديس ينطق بأحلام تحررهم، فقد عمل أيضاً بعض السياسيين على استغلال شهرته لغايات خاصة.
إذا كان جيمس ركز في روايته الثانية «كتاب نساء الليل» (2009) على شابة من الرقيق تعمل في مزرعة قصب سكر جامايكية مع مقلب القرن التاسع عشر، فإنه في «تاريخ مختصر» يظهر موهبته في خلق شخصية نسائية: كيم ـ ماري بيرغيس. امرأة تتمتع «بحاسة شم قوية إزاء المحن»، فضلاً عن كونها قديرة ومصممة على النجاة. تمارس تغيير الأسماء والهويات، معيدة اختراع نفسها مرة ثانية، ومنتقلة من رجل الى رجل، متخذة مهناً وأعمالاً «بغيضة»، هاربة من العاصمة، والماضي (ربما لأمر خطير شهدت عليه) مهرولة نحو تحقيق حلمها في أميركا، وما تعتقده أنّه برّ الأمان. تقول كيم ماري: «بعد سنتين على الانتخابات، لم تتغير جامايكا لا الى الأحسن ولا الى الأسوأ، بل إنّها لا تمل من إيجاد طرق للبقاء كما كانت، ليس بمقدورك تغيير البلد، لكن قد يكون بمقدورك تغيير نفسك».
لكن اذا كانت شخصية كيم ماري استأثرت بالشتاء على حياتها المتقنة، فإن القارئ يتساءل لمن تخص هذه الرواية؟ هل هي عن بابا ـ لو المعتبر دون العصابة الذي يجد جانبه الأرق ليتصالح معه، فيعاقب بالخلع؟ أما عن نينا برغس التي ساعدت على انقاذ حبكة جيمس عبر كامل الرواية؟ أو المريع الدكتور لاف (دكتور حب) الذي يخيّم طيفه على صفحات الرواية الـ 688؟ على هذا السؤال، يرد جيمس: «انه جون ـ جون ك». بالمناسبة هو لا يظهر سوى في الثلث الأخير من الرواية: «نعم» يقول جيمس، «يظهر في الصفحة 458 في الصفحة الأولى التي كتبت. كنت أكتب رواية مختلفة كلياً». د. جون ـ جون ك هذا عبارة عن قاتل مأجور من شيكاغو يضطلع ـ الى جانب مهمات القتل ــ دوراً في مساعة وويبر، قاتل مأجور آخر انتقل من الولايات المتحدة الى جامايكا، للتوصل الى تصالح مع حقيقته الجنسية. وحين يقال لجيمس إنه قال إنّه يفكر في رواية قصيرة عن الجريمة، فما الذي جعلها تبلغ 700 صفحة؟ «لا أدري. اعتقد حين كنت أكتب الرواية، اعتقدت أنها ستتألف من قصة واحدة.

يذكر جيمس
اسم ديكنز كمؤثر على عرضه المتعدد الشخصيات للمجتمع
ما حدث أنني كل مرة قمت بكتابة قصة واحدة، وصلت طريقاً مسدوداً آخر، فانتقيت قصة أخرى ووقعت في نفس الطريق المسدود، فاخترت قصة ثالثة، وتابعت ذلك، المتاهة، حتى قال لي صديق: أتدري، لماذا عليك اعتبارها قصة شخص واحد؟ وهكذا صار لديّ نص سردي لشخصيات عدة، ذلك قد يكون جيداً. لكن حينها كنت قد كتبت المئات من الصفحات. كل ما كان عليّ فعله هو تصور كيفية تفاعلها مع بعض».
وحين يقال لجيمس ذكره هو رفض روايته الأولى من حوالى 74 ناشراً، ويطلب منه كلمة الى المتبدئين في الكتابة الذين قد يواجهون الرفض، يرد: «العديد من الكتب، الروايات، القصص، والقصائد تتعرض للرفض تكراراً. قد يتعرض المرء لذلك مرة وأكثر، لكن عليه الإيمان بذاته لأنه الوحيد الذي سيفعل ذلك. اصغ الى الناس... لكن لا تفقد بصيرة أنك تؤدي عملاً كتابياً جدياً وان لديك شيئاً ما لتقوله».
اذا كان عمل جيمس على مقدار من التعقيد وإذا كان قال بعد الجائزة «انا لستُ كاتباً سهلاً يمكن أن يحب»، مشيراً بذلك «الى أسلوبه التجريبي»، فإنّ حكّام «بوكر» أشادوا في المقابل برواية جيمس لتشكيلتها الأسلوبية وسبره غير الهيّات للعنف، الصداقة الحميمية والفساد.
من جهتها، تقول كي ميلر في «غارديان» إنّ رواية جيمس المتوجة «تبدو أحياناً مؤثرة أكثر منها سهلة الإمتاع. كتاب صعب ببنية تركيب البدء والوقف المتعدد تكتسحك كما تفعل أصوات عمل سردي مفرد الحبكة للروايات السابقة». في المقابل، جاء في الـ «نيويورك تايمز»: «شخصيات السيد جيمس، العجائز والشباب، الذكور منها والاناث، الجامايكية والاميركية، يزفرون أفكارهم بلغة تصادف أحياناً أن تكون تجديفية شتائمية، وكذلك دينامية ومدغمة كما في الموسيقى. مهما يكن، العديد من فصول هذه الرواية مكتوبة بأسلوب الدفق التعبيري المتعدد اللهجات الذي يبدو مشوشاً في البداية، إلا أنه يعمل على توريط القارئ في العالم الذي ترعرع فيه المغني مارلي، العالم الذي أعطى موسيقى الريغي».





مقتطف من الرواية


إصغ، الموتى لا يتوقفون عن الكلام، ربما لأنّ الموت ليس موتاً على الإطلاق، مجرد احتجاز ما بعد حصص المدرسة. تعرف من أين أنت آتٍ. وأنت دائماً عائد من هناك، تعرف إلى أين انت ذاهب مع انك لا تبلغ مقصدك، بل انت مجرد ميت. نعم ميت. يبدو الأمر نهائياً، لكنها الكلمة، المفتقدة الى مقطع صوتي يفيد الاستمرارية. تمر بأناس مضى عليهم موتى منذ زمن أطول من زمان موتك. سائرون طوال الوقت رغم عدم توجههم الى مكان محدد. وتصغي اليهم ينسحبون ويهسهسون لأننا جميعاً أرواح أو نظن أننا جميعاً أرواح. بيد أننا جميعاً مجرد موتى. أرواح تنداح، تنزلق، داخل أرواح أخرى.
يحصل أحياناً أنّ امرأة تنداح داخل رجل، وتعمد الى إصدار عويل يشبه اصوات ممارسة الحب. يأتون ويعبّرون عن شوق قوي، لكن ذلك يتسلل عبر النافذة كصفير بل همس تحت السرير، فيما يظن الأطفال وجود وحش ما. يهوى الموتى الاستلقاء تحت الاحياء لأسباب ثلاثة (1) لأننا مستلقون طوال الوقت. (2) تحت السرير يبدو أشبه بأعلى التابوت، لكن (3) ثمة وزن، وزن بشري في الأعلى وبمقدورك الاندياح الانزلاق فيه، وجعل الأمر أثقل، وسرعان ما تنهمك في الاصغاء الى ضربات القلب فيما انت تراقبه يضخ، وتسمع المنخارين تصدران الهسيس حين الرئتين تضغطان الهواء، فتحسد من جهتك تالياً أقصر الأنفاس. لا ذكرى لديّ عن التوابيت.
لكن الموتى لا يتوقفون عن الكلام وأحياناً يسمع الأحياء كلامهم. هذا ما أردت قوله. حين تموت، يغدو الكلام مجرد حالات تماس وانعطافات، ولا يبقى لك سوى أن تتشرد وتتجول في منعطف لبرهة. حسناً، هذا على الأقل ما يفعله الآخرون.
مقصدي أنّ اللافظين أنفاسهم يتعلمون من اللافظي الأنفاس، لكن ذلك أيضاً ينطوي على ما يشبه الخديعة. بمقدوري الإصغاء الى نفسي، مدعياً أمام أي شخص مستعد للاستماع أنني لم اسقط، بل دفعت من فوق الشرفة في فندق «سانسيت بيتش» في خليج مونتيغو، وليس بمقدوري القول، لا تنصب فخك، يا آرتي جنينغز، لأنني استيقظ صبيحة كل يوم لأعيد جمع شتات بل أقسام رأسي المهشم كاليقطينة. وحتى حين اتكلم الآن، استطيع سماع انطلاق صوتي حينها يطرح السؤال: هل يمكنكم اظهاره، ذاك الى النور يا المتلهفون على كل شيء؟ بمعنى أنا ما بعد الحياة ليس بالحدث المتطاول، ليس حفلة راقصة رائعة... لا احد يستطيع سبرها، وليس ثمة ما يمكن فعله سوى انتظار ذاك الذي قتلني ليأتي، لكنه لن يموت، بل يغدو اكبر فأكبر عمراً ومثابراً كذلك على الزواج بنساء أصغر فأصغر لينجب سلالة بطيئة الفهم من الصبيان، دافعاً البلد الى الهاوية.