حسين بن حمزة

في مجموعته الجديدة «ترسلين سكيناً أرسل خنجراً» (دار شرقيات)، وهي الثالثة له بعد «قمر يابس يعتني بحياتي» (1998) و«صيف يوناني» (2006)، لا يبدو الشعر عملاً ضيقاً وخانقاً بالنسبة إلى صالح دياب. القصد هنا أن الشاعر تخلَّى بالتدريج عن سياسة المحو والاقتضاب لصالح قصيدة متفلتة وسيّالة وتحتمل قدراً من السرد الذي يصل إلى حدود الثرثرة أحياناً. هذا لا يعني أن الشعر انقلب رأساً على عقب. الشعر في جوهره لم يتغيّر كثيراً. ما تغيّر هو جزء من النبرة والمهارات والحيل الأسلوبية. اصطياد الشعر لا يزال يتطلب صبراً وتأملاً، لكنه صبر وتأمل من نوعٍ آخر. كان الشاعر مهموماً بالصورة والاستعارة، وكان ذلك يعني أن لا تطول القصيدة وأن تخلو من الاستطراد. بهذا المعنى، كان الشاعر صائغاً دقيقاً وصبوراً، وكانت الكتابة عملاً خانقاً، والقصيدة عملية تقطير مستمرة للغة بهدف الحصول على صور شعرية مصقولة وصافية. وفق هذا السياق، كتب دياب قصائد مؤلفة من سطر واحد أو سطرين. أما القصائد الأطول قليلاً، فكانت عبارة عن صور مزدحمة ومتلاحقة. المهم هو الكثافة في التعبير والاقتصاد في اللغة: «إنني أنصتُ/ إلى هسيس أجنحة عشرة آلاف فراشة حمامة/ تطيرُ في صمتكِ»، أو «أصفنُ في الصور/ تخفقُ بين يديّ/ كالقمصان على السطح»، أو «الغياب/ وهو يتعثر/ بثوبه الأبيض الفضفاض».


الشعر حصيلة النص بكامله لا الصور والاستعارات
لم تكن البراعة تنقص صالح دياب في مطاردته للكثافة والإيجاز. كان في استطاعته إكمال ما بدأه. لكنه آثر أن يلعب لعبة أخرى يظل فيها الشعر حاضراً، لكن بـ«لوك» مختلف. مجموعته الجديدة تعرض على القارئ اتفاقاً يقضي بأن يكون الشعر حصيلة النص بكامله لا حصيلة الاستعارات فقط. لتقرأ: «أكلمكِ من هاتف عمومي/ متعب ولم أنم ليلة أمس/ المطر يسقط من أسبوع/ أَخْرَجَ لي روحي/ كان بإمكانكِ أن تتصلي/ أو أن ترسلي إيميلاً صغيراً/ ماذا تريدين أن أقول لكِ/ العرق يتصبب من وجهي/ أنفاسي غبَّشت الزجاج/ لم أعد أرى شيئاً:/ لا الناس ولا السيارات/ ولا حتى الفُرجة التي بدأت تتسع/ في الغيمة السوداء الكبيرة/ أعلى المرتفعات».
لعل ما سبق هو أكثر القصائد نثرية في المجموعة، لكن المشهد الذي ترسمه، والمعنى الغائر في داخلها، يؤكدان أن الشاعر لا يتخفف نهائياً من حساسيته ومزاجه الخاص. العبارات تبدو مسترخية. الكثافة السابقة المضغوطة في استعارة واحدة ذائبة هنا وممددة على طول القصيدة. كأن الشاعر ذهب إلى النثر مباشرةً بعد ممارسة شاقة في تحويله إلى مصوغات شعرية. الممارسة السابقة لن تختفي. إنها تعمل وفق خطة أخرى. قصائد المجموعة مُعفاة من الإفراط في التكثيف، والسرد يوسِّع مساحة الكلام فيها، لكن ثمة مواضع عديدة يقبض فيها القارئ على الشاعر بـ«جرمه» السابق. المقطع التالي، مثلاً، هو صور مكثفة ومتلاحقة: «النسيم الخفيف/ الذي يهبُّ الآن/ هو أفكاركِ الخفيفة/ زخة المطر/ التي تسقط بلطفٍ عليّ/ هي يدكِ التي رفعتِها/ قبل أن تختفي في الحشد/ يدكِ التي تربِّتُ على كتفي/ على ألف كلبٍ يعودون أدراجهم/ عند المساء خفيضي الأذنين». أحياناً نجد هذا في صورة واحدة: «تؤلمني الأشجار/ التي تدفن نظراتها تحت الأوراق». وأحياناً تكون في قفلة مدهشة لقصيدة مشغولة بتذكر تفاصيل في مسقط رأس الشاعر: «كانت صخرة كبيرة/ بين مركز البريد ومخفر الشرطة/ يجلس عليها مختلُّ القرية الأعمى/ يتمتم طيلة الوقت/ ومن مسافة أمتار/ ينادي على المارَّة/ بأسمائهم».
حسين...