ترجم وتَقديم: رشيد وحتي

كان الخبر سيمرّ عابراً وعادياً في صفحة الحوادث لولا أنّ الأمر يتعلق بالشاعر المغربي عبد اللطيف اللعبي وزوجته: يتعرضان لاعتداء سبب لهما جروحاً خطيرة. اقتحم المعتدي بيتهما في منطقة الهرهورة في الساعة 12 ليلاً، ووجه له طعنة بواسطة سكين من الحجم الكبير على مستوى العنق، وكسر مزهرية فوق رأس زوجته، مصيباً إياها بجروح غائرة، ثم كسر أحد أسنانها. وتم إلقاء القبض على المقتحم، بعدما استنجد اللعبي وزوجته بالجيران، وأسباب هذا الاعتداء ما زالت مجهولة، إلى أن يُفْرَجَ عن التحقيقات.

طَمأن اللعبي الجميع على صفحته على الفايسبوك، كاتباً: “الصديقات والأصدقاء الأحباء: أقرباءَ، مثقفينَ وفنانين، إعلاميين، مناضلين، قراءَ، مواطنينَ متشبعين بالقيم الإنسانية السامية، معذرةً لعدم تمكننا من إجابةِ كل واحد منكم على حدة. نحن متأكدان أنكم ستتفهمون الأمر بالنظر لظروفنا الحالية. إننا نتوجه بالشكر الجزيل لكم جميعاً وأينما كنتم (في المغرب والعالم العربي وخارجهما) على مؤازرتكم لنا بعد الاعتداء الذي تعرضنا له يوم الأحد 19 أكتوبر في منزلنا في الهرهورة قرب الرباط. لقد أثرت فينا رسائلكم أيما تأثير، وأمدتنا ببعض القوة التي نحن في حاجة لها. إن هذا النفس القوي، الحامل لعبير الأخوة الصادقة، سيساعدنا بالتأكيد على تجاوز الصدمة الجسدية والنفسية التي عشناها مؤخراً. وفي كل الحالات، سنستمر مع محمود درويش في ترديد كلماته المأثورة: ونحن نحب الحياة إذا ما استطعنا إليها سبيلاً. جوسلين وعبد اللطيف اللعبي”.
ولد عبد اللطيف اللعبي في فاس عام 1942. تلقى تعليمه الأولي في المدرسة الفرنسية الإسلامية. تشَبَّعَ في فتوته بالثقافة الشفوية لحَكَوَاتِيِّي الساحات العامة وقراءاته في الآداب الفرنسية. في عام 1963، يسهم في تأسيس المسرح الجامعي. هناكَ، بين بريشت وآرابال، سيلتقي من ستصير زوجته في ما بعد: جوسلين، الطالبة القادمة من مكناس، والشغوفة بالمسرح أيضاً، ليتزوجا في 1964. منذ تلك الساعة، لن تكون جوسلين الزوجةَ والحبيبةَ فقط، بل ستصير استعارةً شعرية تخترق كل أعمال اللعبي، من دون أن ننسى أنها أيضاً كاتبة نصوص سردية ومترجمة حكايات مغربية للفرنسية. ستخضُّ مجازر مارس 1965 في الدار البيضاء كيانه لينغمس في مسار سياسي مضطرب. يلامس واقعَ التلاميذ والطلبة كمدرس للفرنسية في الأقسام الثانوية. لكن تلكَ الحماسة لم تكن لتكفيه، ليؤسس مع مجموعة من المثقفين مجلَّةَ «أنفاس» التي لم تكن مطبوعَةً فقط، بل تجمعاً فكرياً مَغَارِبِياً لمساءلة الثقافة والمجتمع المغربي في محاولة انفكاك مع الماضي والحاضر الكولونيالي للبلاد عبر مساءلة كل إرث المغرب الثقافي ومفارقة الكتابة بلغة المستعمر. يؤسس معها منشورات «الأطلنط» في محاولة لوضع لبنة مغربة وبنية تحتية للنشر في المغرب قطعاً مع “المتروبول” الاستعماري. ينخرط اللعبي، موازاةً لذلك في تجربة سياسية مع «منظمة إلى الأمام» الماركسية - اللينينية السرية، إثر مغادرته سنة 1970 لـ «حزب التحرر والاشتراكية» (وريث الحزب الشيوعي في المغرب) الذي لم يعد يرضي طموحاته هو ومجموعة من النشطاء والكوادر المغربية الشابة. في عام 1972، أوقف وخضع مع رفاقه لتعذيب ممنهج أفضى سنة 1973 للحكم عليه بعشر سنوات سجناً، في محاكمةٍ كان “جسم الجريمة” فيها أعداد مجلة «أنفاس» الكاملة في طبعتيها الفرنسية والعربية.


أسس مجلة "أنفاس"
لمساءلة كل إرث المغرب
الثقافي

هذا الواقع المرير سيصوغه في نصه السردي السيرذاتي «مَجْنُونُ الْأَمل»، وَفِي رِسَائِلِهِ لزوجته جوسلين التي جَمعها في ما بعد في كتاب «يَوْمِيَّاتُ قَلْعَةِ الْمَنْفَى». بعد ثماني سنوات ونصف، تنفتح له بوابة قلعة المنفى هو ورفاقه بعد حملة دولية لإطلاق سراحه، لينال حريته من دون أن يتخلى عن شيء من قناعاته: «علَّمني السجن الْكثير عن نفسي، عن الصَّقع الْغريب لِجسدي وذاكرتي، عن أهوائي وعن كامِل متاهة جذوها الغريبة، عن قوتي وضعفي، قدراتي وحدودي. فالسجن، إِذن، مدرسة بلا رحمة في شفافيّتها». بَعْدَ خمس سنوات، يغادر ليستقر في فرنسا، مع العودة إلى المغرب بين تارةٍ وأخرى.
ترجم اللعبي نصوصاً عدة إلى الفرنسية معرّفاً بالأدب العربي: محمود درويش، سميح القاسم، سعدي يوسف، عبد الوهاب البياتي. تكفي الإشارة إلى عنوانيه الفاتنَيْن «أزْهَرَتْ شَجَرَةُ الْحَدِيدِ» (1974)، و«مَجْنُونُ الْأَمَلِ» (1982) للتأكد من أن اللعبي رجلٌ من صميم الحياة، وهبَ حياته الفردية لحياة الجماعة عبر الإنصات لصخب الشارع وحركية المجتمع المغربي. قبل الحادثة بقليل، أسهَمَ في تأسيس اللجنة الدولية للتضامن مع الأكاديمي المعطي منجب، في محنته مع السلطات التي منعته، لذرائعَ وأسبابَ واهية، من مغادرة المغرب للمشاركة في ملتقيات دولية.
في ما يلي مختارات من أهم أعمال الشاعر، ونص سردي لزوجته جوسلين.

1. المقامة الأولى: ذاكرة جسد

تناهى إِلى مسامعي صوت مفرزة الآلِيّة. أسلحة لا تميَّز. رَكْض خيولٍ. نَزْوُ عُنْفٍ. لَمّا أُصِبْتُ. قَذاَئِفُ عَديِدَةٌ. رَصاَصٌ؟ كرَيات؟ شفرات؟ نُبيلات؟ في جسدي. فيِ دماغي. ودوُن أدنى ذهول. وكالوباء، أهالٍ، حشود، تجَمهراَت. قرى نمْل. وَدوُنَ أَدْنىَ خَدَرٍ. كَماَ تُوُقِّعَ. فيِ وَضَحِ النَّهاَرِ. عَلَناً. زِناَدٌ باَرِدٌ. عَنْ كَثَبٍ. فيِ أَحْلاَمِ ذاَكِراَتٍ مَسْتوُرَةٍ. تَحْتَ أَنْظاَرِ آلِهَةٍ مَيِّتَةٍ، مُتَّهَمَةٍ، مسَجّاةٍ، تُقْتاَدُ لِلْمِحْرَقَةِ فِي سَاحَاتِ حَرْبِ الْعِصاَباَتِ. رَكْضُ خُيوُلٍ فيِ كُلِّ مَكاَنٍ. غاَراَتٌ. وَدوُنَ أَدْنىَ دُواَرٍ.
أَلْتَفِتُ خَلْفاً. قاَرَّةٌ. أَراَهاَ بِكاَمِلِهاَ مَعَ ماَ وَراَءَهاَ. انْتُهِبَتْ، خاَلِيَةٌ. طُيوُرٌ مُتَحَجِّرَةٌ. وَلاَ أَثَرَ، حَياَةٌ. كَماَ فيِ الْبَدْءِ.
لَكِنَّناَ لَمْ نَبْلُغْ بَعْدُ اللَّيْلَ الْبَهيِمَ. بَلَغْناَ بَعْضَ الْأَلَقِ، دوُنَ أَنْ تَكوُنَ ثَمَّةَ نُجوُمٌ وَلاَ كَشاَّفاَتٌ ضَوْئِيَّةٌ. شَلاَّلٌ مِنَ الدَّبْدَباَتِ الصَّوْتِيَّةِ فيِ هَيْأَةِ تَدَفُّقٍ يَنْتَثِرُ فيِ عُروُقِ الْأَرْضِ، دوُنَماَ أَيِّ انْكِساَرٍ لِلْأَشِعَّةِ، مَناَطِقُ ظِلاَلٍ، يَخْتَرِقُ، يَعْبُرُ الْجَنَباَتِ رَكْضاً.
وَدوُنَ أَنْ تَكَلَّ عَزيِمَتيِ، أَوْ أَنْ أَتَرَنَّحَ، حاَوَلْتُ النُّهوُضَ والْاسْتِقاَمَةَ. دوُنَماَ أَيِّ هُجوُمٍ مُفاَجِئٍ، دَفَقَاتٌ مِنَ الدَّمِ وَالْمَوْتىَ مَجْهوُليِ الْهُوِيَّةِ. دوُنَماَ مِلْقَطٍ حَوْلَ شَبَكِيَّةِ الْعَيْنِ، دوُنَماَ خُيوُطٍ مِنْ رِغْوَةِ اللُّعاَبِ، دوُنَماَ صَفّاراَتِ إِنْذاَرٍ وَلاَ نِداَءاَتٍ، دوُنَ أَيِّ ضَجيِجٍ يَنْبَعِثُ مِنْ شَريِطٍ مِغْناَطيِسِيِّ مَقْلوُبٍ، مَحْضَرُ مُعاَيَنَةٍ، رَسْمٌ تَخْطيِطِيٌّ لِأَرْضِيَّةٍ، كَپْسوُلاَتُ طَلَقاَتٍ، اسْتِخْلاَصُ رَصاَصاَتٍ.
واَقفاً. مُخُزَّقاً. بِقذائفيِ. جزيراَتي السَّرطانِيَّة. في وجه الجريمة. الرّعب. أَناَ أَحْياَ.
[مِنْ نص: اَلْعَيْنُ وَاللَّيْلُ. رِحْلَةٌ، 1969]

■ ■ ■

2. كُلُّ التَّمَزُّقَاتِ

هَذَا الْأَلَقُ
لَيْسَ لِيُكْتَبَ
بَلْ لِيُشْرَبَ
أَوْ يُؤْكَلَ.
*
أَلْأَصْفَرُ يَنْتَظِرُ الْأَزْرَقَ
أَلَّذِي يَتَبَاطَأُ رُفْقَةَ الْأَخْضَرِ
أَلْأَبْيَضُ يَبْتَسِمُ
لِهَذَا الْمَشْهَدِ الْعَادِيِّ
لِخَيْبَةٍ فِي الْحُبِّ
*
أَنْ تُقِيمَ فِي جَسَدِكَ
لَيْسَ بِالِهَيِّنِ
إِنَّهُ بَيْتُ أَشْبَاحٍ
حَقْلُ أَلْغَامٍ
يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَمَكَّنَ مِنَ اسْتِئْجَارِهْ
لِلْعُطَلِ فَقَطْ
*
النَّدَى
لَا يَعْدُو عَنْ كَوْنِهِ مَاءً
وَلَكِنَّهُ مَاءٌ عَاشِقٌ
*
أَنَا لَا أُنْكِرُ ذَلِكَ
أَلْكِتَابَةُ تَرَفٌ
لَكِنَّهُ التَّرَفُ الْوَحِيدُ
حَيْثُ الْإِنْسَانُ
لَا يَسْتَغِلُّ إِلَّا نَفْسَهُ
*
النَّبِيُّ يُحَطِّمُ الْأَوِثَانَ
الطَّاغِيَةُ
يَشِيدُ تَمَاثِيلَ
[من ديوان كُلُّ التَّمَزُّقَاتِ، 1990]

■ ■ ■

3. سَأَمُ كَازَابْلَانْكَا

أَيُّهَا الشَّاعِرُ
ابْتَهِجْ بِهَذِهِ الْأَسْئِلَةِ
الَّتِي تُوْقِظُكَ
فِي كَبِدِ اللَّيْلِ
وَلَا تَمْتَقِعُ فِي الْفَجْرِ
مَعَ الْأَنْجُمِ
*
لَسْتُ ذاَكَ الرَّحاَّلَ
الْباَحِثَ عَنِ الْبِئْرِ
الَّتيِ حَفَرَتْهاَ الْأَواَبِدُ
أَرْتَوِي بِقَليِلٍ مِنَ الْماَءِ
وَأَمْشيِ
ماَرِقًا عَنِ الْقاَفِلَةِ
[من ديوان سَأَمُ كَازَابْلَانْكَا، 1996]

■ ■ ■

4 تَنْشَقُّ الْأَرْضُ فَتَسْتَقْبِلُكَ

[إلى ذكرى الطاَّهْرْ جْعوُطْ يومَ دفنِه]
تَنْشَقُّ الْأَرْضُ
فَتَسْتَقْبِلُكَ
لِمَ هذا الصراخُ، هذه الدموع
هذه الصلواتُ
ماذا ضَيَّعواُ
عَمَّ يبحثونَ
أُوْلاَءِ الذين يُكَدِّروُنَ
سَلاَمَكَ الْمُسْتَعاَدَ؟
*
تنشق الأرض
فتستقبلك
الآنَ
سَتَتَحاَدَثاَنِ دوُنَماَ شُهوُدٍ
فَلَكُماَ أَشْياَءُ لِتَتَحَاكَيَاهَا
وسيكونُ لَكُماَ الأبدُ مِنْ أَجْلِ ذلكَ
كلماتُ البارحةِ التي أَبْهَتَتْهاَ الْجَلَبَةُ
سَتُنْقَشُ شيئاً فشيئاً في الصمتِ
*
تنشق الأرض
فتستقبلك
*
وَحْدَهاَ اشْتَهَتْكَ
دوُنَ أنْ تَعْرِضَ عَلَيْهاَ مُخاَلاَّتِكَ
انْتَظَرَتْكَ دوُنَ اللُّجوُءِ إِلىَ خُدْعَةِ بِنِلوُبَّهْ
ما كانَ صبرُها إِلاَّ طَيْبَةً
والطيبةُ هْيَ الَّتي تُعيِدُكَ إِلَيْهَا
*
تنشق الأرض
فتستقبلك
ولا تُحاَسِبُكَ
على غَراَمِيَّاتِكَ الْعاَبِرَةِ
بَنَاتِ التَّيْهِ
نُجوُمٍ مِنْ شَهْوَةٍ تَحْبِلُ بِهاَ الْعُيوُنُ
ثِماَرٍ مَوْهوُبَةٍ مِنْ بُسْتاَنِ الْحَياَةِ الْفَسيِحِ
أَهْواَءٍ جَليِلَةٍ تُقيِمُ شَمْساً
في بَطْنِ الراَّحَةِ
على طَرَفِ اللِّساَنِ الْوَلِعِ
*
تنشق الأرض
فتستقبلك
عاَرٍ أنتَ
وَمَعَ ذلكَ فَهْيَ مِنْكَ أَكْثَرُ عُرْياً
وأَنْتُماَ بَهِياَّنِ
في هذا الْاحْتِضاَنِ الصاَّمِتِ
حيثُ تَعْرِفُ الْأَيْديِ كيفَ تَتَشاَبَكُ
لِاسْتِبْعاَدِ الْعُنْفِ
حيثُ فَراَشَةُ الروُّحِ
تُديِرُ ظَهْرَهاَ لِهذاَ الضَّوْءِ الْخاَدِعِ
لِلذَّهابِ بَحْثاً عنْ مَصْدَرِهِ
*
تنشق الأرض
فتستقبلك
سَتَسْتَعيِدُ حَبيِبَتُكَ يَوْماً
بَسْمَتَكَ ذَائِعَةَ الصِّيتِ
وسَيَنْتَهيِ الْحِداَدُ
سيكبُر أولادكَ
ويَقْرَؤوُنَ دونَ ضَيْمٍ أَشْعاَرَكَ
سَيَتَعاَفىَ مَوْطِنُكَ كَماَ مُعْجِزَةٍ
عندماَ يَذْهَبُ الناسُ بَعْدَ أَنْ يكونَ الْوَهْمُ قَدْ أَنْهَكَهُمْ
للْارْتِواَءِ في فُسْقِيَّةِ طَيْبَتِكَ
*
صاَحِ
نَمْ قَريِرَ الْعَيْنِ
أنتَ بِحاجَةٍ لِذلكَ
لِأنَّكَ اشْتَغَلْتَ بِمَشَقَّةٍ
كَرَجُلٍ نَزيِهٍ
قَبْلَ الرَّحيلِ
تَرَكْتَ مَكْتَبَكَ نَظيِفاً
مُرَتَّباً بِشكلٍ جَيِّدٍ
أَطْفَأْتَ الْأَنْواَرَ
قُلْتَ لِلْبَواَّبِ كَلِمَةً لَطيِفَةً
وبِخُروُجِكَ
رَنَوْتَ لِلسَّماءِ
لِزُرْقَتِهاَ الْأَلِيمَةِ بِالْكاَدِ
مَسَّدْتَ شاَرِبَكَ أيضاً
وأنتَ تقولُ في نفسِكَ:
وَحْدَهُمُ الْجُبَناَءُ
يَعْتَبِروُنَ الْموتَ نِهايةً
*
نَمْ قَريِرَ الْعَيْنِ صاحِ
نَمْ في سُباَتِ الْعادِلِ
اسْتَرِحْ، حَتىَّ مِنْ أَحْلاَمِكَ
دَعْناَ نَحْمِلُ الْعِبْءَ قَليِلاً

■ ■ ■

5. قاَرِئٌ مُسْتَعْجَلٌ

ماذا أَتَيْتَ تَفْعَلُ هُناَ
أَيْهَذاَ الْقارِئُ؟
فَتَحْتَ دوُنَ مُراَعاَةٍ
هذاَ الْكِتابَ
وتُقَلِّبُ بِحِمْيَةٍ رَمْلَ الصَّفَحاَتِ
بَحْثاً
لا أَدْريِ عَنْ أَيِّ كَنْزٍ مَدْفوُنٍ
أَأَنْتَ هُناَ لِتَبْكي
أَمْ لِتَضْحَكَ
أَلَيْسَ لَكَ مِنْ شَخْصٍ آخَرَ
تُحاَدِثُهُ
حَياَتُكَ
أَهْيَ فاَرِغَةٌ إِلىَ هَذاَ الْحَدِّ؟
إِطْوِ إِذَنْ دِفَّتَيْ هَذاَ الْكِتاَبِ بِسُرْعَةٍ
ضَعْهُ بَعيِداً عَنِ الْمُنَبِّهِ
وَعَنْ خِزاَنَةِ الْأَدْوِيَّةِ
دَعْهُ يَنْضُجُ
تَحْتَ شَمْسِ الرَّغْبَةِ
عَلىَ غُصْنِ الصَّمْتِ الْبَهِيِّ

■ ■ ■

6. غَداً سَيَكُونُ الْيَوْمَ نَفْسَهُ

غَداً
سَيَكوُنُ الْيَوْمَ نَفْسَهُ
لَنْ يَكوُنَ ليِ أَنْ عِشْتُ إِلاَّ لَحَظاَتٍ
وَالْجَبيِنُ مُلْتَصِقٌ بِزُجاَجِ الناَّفِذَةِ
لِاسْتِقْباَلِ حَفْلِ فُروُسِيَّةِ الْغَسَقِ
سَيَكوُنُ ليِ أَنْ كَتَمْتُ صَرْخَةً
فَلَا أَحَدَ قَدْ سَمِعَهاَ
فيِ هَذِهِ الصَّحْراَءِ
كاَنَ ليِ أَنِ اتَّخَذْتُ
وَضْعِيَّةَ الْجَنيِنِ
عَلىَ مَقْعَدِ وَحْدَتيِ الْهَرِمَةِ
كاَنَ ليِ أَنْ أَنْتَظِرَ
أَنْ تَفْرَغَ كَأْسيِ حَتىَّ النَّصْفِ
لِأَكْتَشِفَ فيِهاَ مَذاَقَ الْمَراَرَةِ
كاَنَ ليِ أَنْ رَأَيْتُ نَفْسيِ
فيِ الْغَدِ
وَأَناَ أَنْهَضُ عاَطِلاً
شَبيِهاً بِفَظاَعَةٍ

■ ■ ■

7. أَحْلاَمٌ واَفِرَةٌ

أَحْلَامٌ واَفِرَةٌ
كَأَنَّ حَياَتيِ تَطْفَحُ
وَريِشَتيِ خَضْراَءُ
أَرْقُدُ مَعَ ظِلاَليِ
وَأَسْتَفيِقُ مِنْ دوُنِهاَ
ياَ لَيْلُ
قاَوِمْ
فَإِلَهُ الْغَسَقِ
يَفْتَرِسُ أَوْلاَدَكَ

■ ■ ■

8. اَلصُّوَرُ الْمُتَقاَدِمَةُ

الْآنَ أَكْتُبُ
كَماَ يَرىَ الْأَعْمىَ
أَلْأَلَقُ يَنْزَلِقُ فَوْقَ جُفوُنيِ
وَيَتَواَرىَ مِنْ خِلاَلِ ثُقْبِ الْوَرَقَةِ
الْكَلِماَتُ تَغْدوُ وَتَروُحُ فيِ قَفَصِهاَ
أَسْمَعُ سَوْطَ الْمُرَوِّضِ يُطَقْطِقُ
وَلاَ زَئيِرَ
صُوَريِ كُلُّهاَ
مُتَقاَدِمَةٌ
أَمْشيِ
فيِ مَتاَهَةِ الْقَلْبِ
دوُنَماَ كَلْبٍ يَدُلُّنيِ

■ ■ ■

9. فيِ وَقْتٍ مُتَأَخِّرٍ مِنَ الْحَياَةِ

فيِ وَقْتٍ مُتَأَخِّرٍ مِنَ الْحَياَةِ
أَسْتَطيِعُ التَّغَيُّبَ فَوْقَ مَقْعَدٍ
بِأَلَمٍ أَقَلِّ
سَأُطْفِئُ ناَرَ
أَلْأَشْواَقِ الَّتيِ قَصَّرَتِ الرِّحْلَةَ
سَأُوْقِفُ بُكاَئِيَّةَ
أَلْأَسْئِلَةِ الْباَلِيَةِ مَعَ الْأَجْوِبَةِ
سَأَنْسَحِبُ مِنْ حَيِّزِ
أَلنَّظَرِ اللاَّمُتَناَسِقِ
سَأَشُمُّ عَلىَ راَحَةِ يَديِ
قَصيِدَةَ حُبيِّ الْأَخيِرَةَ
وَسَأَناَمُ
نَوْمَةَ الشَّجَرَةِ
أَلْحُلْوَةَ

■ ■ ■

10. اَلشاَّعِرُ الْمَجْهوُلُ

أَهْوَ صَوْتيِ
أَمْ صَوْتُ شاَعِرٍ مَجْهوُلٍ
قادِمٍ مِنَ الْقرُونِ الْغابِرَةِ
مَتىَ عِشْتُ
فَوْقَ أَيَّةِ أَرْضٍ
أَيَّةُ امْرَأَةٍ أَحْبَبْتُ
بِأَيِّ شَغَفٍ
وَلَكِنْ ماَ أَدْراَنيِ
إِنْ كُنْتُ بِالذاَّتِ امْرَأَةً
وَأَنيِّ لَمْ أَتَعَرَّفْ عَلىَ رَجُلٍ
لِأَنيِّ بَشِعَةٌ جِداًّ
أَوْ لِأَنيِّ بِبَساَطَةٍ لاَ أَفْتِنُ
أَلرِّجَالَ
أَقاَتَلْتُ
مِنْ أَجْلِ
ضِدَّ شَيْءٍ مَّا
أَكُنْتُ مُؤْمِناً
أَكاَنَ لِي بَنوُنٌ
أَمُتُّ فَتِيًّا
غَيْرَ مَفْهوُمٍ، بَئيِساً
أَوْ طاَعِناً فيِ السِّنِّ، مُحاَطاً، مُدَلَّلاً
بَطَلَ قَبيِلَةٍ تَسْتَعِدُّ
لِغَزْوِ الْعاَلَمِ
هَلْ بَقِيَتْ آثاَريِ شاَهِدَةً عَلىَ أَمْجاَديِ
هَلْ ماَتَتْ لُغَتيِ
قَبْلَ أَنْ تُكْتَبَ
لَكِنْ، قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ، هَلْ كُنْتُ شاَعِراً مُنْشِداً
أَمْ مَلِكاً خاَمِلاً
كاَهِناً
ناَدِبَةً مُحْتَرِفَةً
مَلاَّحاً
جِنِّياًّ أَوْ آدَمِياًّ
رَاقِصَةٌ شَرْقِيَّةٌ باَرِعَةً
تَعْزِفُ عَلىَ الْعوُدِ فيِ حَريِمٍ
عَلَّنيِ لَمْ أَكُنْ
إِلاَّ صاَنِعَ سُروُجٍ مَغْموُرًا
لَمْ يَمْتَطِ صَهْوَةَ جَواَدٍ قَطُّ
وَيُغَنيِّ
وَهْوَ يَكِدُّ فيِ الْيَوْمِ الْمُقَدَّسِ
لِيَليِنَ الْجِلْدُ بَيْنَ يَدَيْهِ
وَيُحْسِنَ صَنيِعاً
يَمْتَطيِهِ الْأَغْنِياَّءُ
فَمَنْ كُنْتُ إِذَنْ
حَتىَّ يَتَناَسَخَ كَلاَميِ
وَحَتىَّ يُوْقِعَنيِ الليِّمُ الْماَكِرُ
الْمُتَمَكِّنُ مِنْ زِماَمِ الْكَلاَمِ
فيِ الشَّرَكِ
بِهَذاَ السُّؤاَلِ الْماَ هُوَ بِالسُّؤاَلِ:
أَهْوَ صَوْتُكَ
أَمْ صَوْتُ شاَعِرٍ مَجْهوُلٍ
قاَدِمٍ مِنَ الْقُروُنِ الْغاَبِرَةِ؟
[قصائدُ مُجْتَزَأَةٌ مِنْ كتاب صَقْعٌ إِنْساَنِيٌّ، 1997]

■ ■ ■

11. شَذَرَاتٌ مِنْ تَكْوِينٍ مَنْسِيٍّ

حَلَّ وَقْتُ مُغَادَرَةِ
بَيْتِ الْأَوْهَامِ
إِلَى أُوْقْيَانُوسِ النَّارِ الرَّحْبِ
حَيْثُ لِمَعَادِنِي الْبَشَرِيَّةِ
أَنْ تَنْصَهِرَ أَخِيراً
*
الْحُبُّ
وَهَلْ ثَمَّةَ مَا هُوَ أَخَفُّ مِنْهُ لِجِرَابٍ
[من ديوان شَذَرَاتٌ مِنْ تَكْوِينٍ مَنْسِيٍّ، 1998]

■ ■ ■

12. صَخْرْ فَرْزَاتْ

أَلْأُفُقُ
بِلَوْنِ الْعَيْنَيْنِ
اللَّتَيْنِ تَنْظُرَانِ إِلَيْهِ
أَلْأَرْضُ وَالسَّمَاءُ
يَدًا فِي يَدٍ
بَقَايَا فَحْمِ الْجَسَدِ
مُنْفَلِتَة مِنْ يَدِ الْفَنَّانِ
تَعْبُرُ السَّرَابَ
وَرَاءَ الْأُفُقِ
أُفُقٌ آخَرُ يَبْزُغُ

[من ديوان مَتْحَفٌ صَغِيرٌ مَحْمُولٌ، 2002]

■ ■ ■

13. فَوَاكِهُ الْجَسَدِ

فِي فَوَاكِهِ الْجَسَدِ
كُلُّ شَيْءٍ حَسَنٌ
الْقِشْرَةُ
الْعُصَارَةُ
اللُّبُّ
حَتَّى الْأَنْوِيَةُ
شَهِيَّةٌ
*
لَمْ أَرْكَعْ أَبَداً
أَمَامَ أَيِّ جَبَّارٍ كَيْفَمَا كَانَ
أَمَّا أَمَامَكِ
فَنَعَمْ
أَيْ مَلِيكَتِي
*
تَكَالَبَ الزَّمَانُ
عَلَى يَدَيْكِ
لَكِنَّهُ لَمْ يَسْتَطِعْ شَيْئاً
فِي وَجْهِ رِقَّتِهِمَا
*
مَنْ لَمْ يَذُقْ
طَعْمَ الْمَمْنُوعِ
فَلْيَرْمِنِي
بِأَوَّلِ تُفَّاحَةٍ
*
الرَّغْبَةُ
لَا تُعْلِنُ عَنْ نَفْسِهَا
وَلَا تُفَسَّرُ
تَضْطَرِمُ
وَتَنْتَشِرُ
أَوْ تَمُوتُ
فِي صَمْتٍ
[من ديوان فَوَاكِهُ الْجَسَدِ، 2003]


■ ■ ■

14. مَكَائِدُ الْحَيِّ

رُسُلٌ عَدِيدُونَ
سَيَدُقُّونَ بَعْدُ عَلَى بَابِنَا
هَلْ ثَمَّةَ أَحَدٌ
بِاْلبَيْتِ؟
[من ديوان مَكَائِدُ الْحَيِّ، 2004]

■ ■ ■

جُوسْلِينْ اللَّعْبِي... عُصَارَةُ الصَّبِر

بَيْنَ هَذِهِ الرَّوَائِحِ الْمُتَوَاتِرَةِ، بَعْضُهَا تَضْمَحِلُّ أَوْ تَتَنافَذُ مَعَ رَوَائِحَ أُخْرَى، أَكْثَرَ أَرِيجًا: زَهْرَةُ النَّارَنْجِ وَالصَّنْدَلِ سَتَطْبَعُ الشَّمْعَةَ الْعَسَلِيَّةَ الضَّخْمَةَ فِي سُوقِ الْعَطَّارِينَ، قُرْبَ الْقَرَوِيِّينَ فِي فَاسَ، وَسَتَضْمَحِلُّ أَيْضًا سَوْرَةُ الْعَرْعَرِ، بِالْأَرَابِسْكِ الرَّهِيفِ الْأَسْوَدِ الْمُزَرْكِشِ لِلأَقْدَاحِ، هَذَا الطَّعْمُ اللَّاذِعُ الَّذِي يُنْفِذُهُ إِلَى الْمَاءِ الرَّاقِدِ فِي الْقُلَلِ، وَهَذَا الْعَبَقُ الَّذِي يَحُومُ فَوْقَ السَّاحَةِ الصَّغِيرَةِ الَّتِي تُظِلُّهَا شَجَرَةٌ ضَارِبَةُ الْجُذُورِ مُنْذُ أَلْفِ سَنَةٍ.
هَذَا أَوَّلًا مَا يُعِيدُ لِي بَلَدِي، كُلَّمَا لَاقَيْتُهُ ثَانِيَةً.
[جُوسْلِينْ اللَّعْبِي: عُصَارَةُ الصَّبِر، سَرْدٌ، 2004]