سنة 2009 ، حاز الشاعر والروائي والكاتب المسرحي عبد اللطيف اللعبي جائزة «غونكور» للشعر عن مجمل أعماله. التكريس هذا كان لكتابته الأدبية ولمواقفه التي اخترقت التاريخ المعاصر للأدب والسياسة في المغرب وجعلت منه واحداً من الأصوات الأكثر أصالة في الأدب العربي المكتوب بالفرنسية.


مواطنه الطاهر بن جلون، عضو أكاديمية «الغونكور» قال حينها إنّ منحه الجائزة كان لـ «قوته وأصالته وصدقه. الاعتراف بهذا الشاعر الكبير ليس إلا من باب الإنصاف. يتعين أيضاً الاحتفاء بالمفكر والمناضل في مجال حقوق الإنسان». تعليق بن جلون ركز على جانبين هما وجهان لعملة واحدة اسمها اللعبي: الكتابة والسياسة. فاللعبي كتب من داخل تجربته الأدبية والسياسية، وحتى حين أسس مجلة «أنفاس» مع سنة 1966، كان مشغولاً بالهم ذاته: أن يكون الأدب نقطة تلتقي عندها روافد اللغات والمواقف السياسية التقدمية.
«أنفاس» نشرت حينها نصوصاً لكتاب شباب سيصيرون بعد عقود أبرز الوجوه الثقافية في المغرب. المجلة التي صدر عددها الأول بعد انتفاضة «مارس 1965» في الدار البيضاء، التي خلفت مئات القتلى من المدنيين بعد تدخل عنيف للجيش في أزقة المدينة، شكّلت رجة في شخصية اللعبي حينها. تجربة استعادها في شعره وانعكست على المجلة أيضا التي صدر منها 22 عدداً بالفرنسية وثمانية أعداد بالعربية ومنعت سنة 1972. وهي السنة التي اعتقل فيها اللعبي، أستاذ الفرنسية الشاب حينها، بسبب نشاطه السياسي كشخصية من قيادات «منظمة إلى الأمام» الماركسية اللينينية التي نشط فيها بعد انسحابه من «حزب التحرر والاشتراكية».
صاحب «تجاعيد الأسد» سيعيش تجربة تحول عميق داخل السجن. هناك، سيكتشف علاقة خاصة بذاته، ويطور فهْماً آخر للتموقع الإديولوجي. الشاعر الذي كان يعيش الاعتقال بكل أشكال قساوته، سيخلق «منظومته الأخلاقية الخاصة « كما يصفها، ليبتعد بشكل تدريجي عن كل أشكال الاصطفاف التنظيمي نحو نموذج المثقف المواطن. وبعد ثماني سنوات من الاعتقال في السجن المركزي في القنيطرة ما بين 1972 و 1980، سيحصل على الحرية بعد حملة دولية للمطالبة بالإفراج عنه، حركتها نساء وأمهات المعتقلين السياسيين وكانت من أبرز وجوهها زوجته جوسلين اللعبي.
بعد خمس سنوات من الحرية، سيكتشف اللعبي أنّ بقاءه في المغرب لم يعد ممكناً. الكاتب المسكون بالحرية سينتقل إلى فرنسا مع زوجته جوسلين التي تعرّف إليها سنة عندما كانا طالبين يسهمان في أنشطة فرقة للمسرح الجامعي. المثقف المتعدد المواهب سيكتب بغزارة عن تجاربه. تجربة الانخراط السياسي والاعتقال وأبسط تفاصيل الحياة، ليس عبر مقالات فقط بل داخل أدبه أيضاً.
منذ إصداره «أنفاس» وهو مشغول بالراهن السياسي والثقافي المغربي. أمر دفعه للنضال على أكثر من جبهة من أجل الدفاع عن الحريات والديمقراطية. المثقف الذي أصدر أكثر من ثلاثين كتاباً انتصر للمستضعفين في كتاباته ولحقوق المرأة وكل المهمشين. كما خاض الكثير من المعارك الحقوقية، إذ يوجد دوماً في صفوف أوائل الذين يدافعون عن الحريات العامة والفردية. وكان دوماً من المنتقدين لكل الانتهاكات التي تشهدها حقوق الإنسان، وللأوضاع السياسية والاجتماعية التي يعيشها المغرب. مواقفه المستقلة عن السلطة السياسية وعن كل التوافقات الاجتماعية داخل البلاد، شكلت دائما هاجسه الأول.
كتب اللعبي في مختلف صنوف الإبداع كالشعر، والرواية، والمسرح، بالإضافة إلى المقالة السياسية والترجمة ومحكيات للأطفال. هكذا أصدر مجموعة من الدواوين كـ «أزهرت شجرة الحديد»، و«قصة مصلوبي الأمل السبعة»، و«خطاب فوق الهضبة العربية»، و«جميع التمزقات»، و«الشمس تحتضر» الذي تحولت إلى عمل مسرحي. الكاتب مشغول أيضاً بالرواية التي نشر منها «مجنون الأمل» و«تجاعيد الأسد» و«قاع الخابية». كما ترجم لكتّاب عرب كـقاسم حداد، وسعدي يوسف، وغسان كنفاني ومحمود درويش، بالإضافة إلى كتاب مغاربة كـمحمد بنيس وعبدالله ازريقة. بالإضافة إلى الترجمة، كتب اللعبي رفقة زوجته جوسلين كتباً للأطفال، وأصدر أيضاً أنطولوجيا للشعر الفلسطيني وأخرى للشعر المغربي. وفي العربية، نُشِرَ الكاتب لدى «دار ورد» السورية التي كانت طبعت مذكراته «شارع يمر» وأعماله الشعرية الكاملة. وكان اللعبي ومجموعة من النقاد والكتاب يحضّرون لندوة كبيرة ستنعقد في المغرب سنة 2016، للاحتفاء بخمسينية «أنفاس». لولا الألطاف، لكانت خمسينية حزينة بلا «أب» المجلة.




المرأة العظيمة وراء اللعبي

تعيش جوسلين اللعبي في المغرب منذ العام 1950. جاءت مع أسرتها ووالدها الفار من المحاكمات التي طاولت المتعاونين مع الاحتلال الألماني. وعلى الرغم من كراهية الأب للعرب، فإن ابنته التي ترعرعت في المغرب، صارت من أبرز وجوهه الثقافية والنضالية المغربية، وأغرمت وتزوجت بكاتب عربي. يعرفها كثيرون بزوجة اللعبي، لكنها المرأة المثقفة والكاتبة والمناضلة الحقوقية. ترعرعت في مدينة مكناس، قبل الانتقال إلى الرباط لمتابعة دراستها الجامعية. هناك التقت اللعبي الذي تزوجته. عملت جوسلين اللعبي صحافية وسكرتيرة تحرير وأستاذة. كما ألفت روايات ومحكيات للأطفال. كتابها «رحيق الصبر» الذي اقتبس منه فيلم «نصف السماء» لعبد القادر لقطع، يحكي قصة طفولتها ولقائها بزوجها، وسنوات نضالها الشرس من داخل حركة عائلات المعتقلين السياسيين. ساهمت جوسلين اللعبي في التعريف بالأدب العربي عبر نقله إلى الفرنسية وترجمت نصوصاً مهمة كـ «عائد إلى حيفا» لغسان كنفاني و«البئر الأولى» لجبرا إبراهيم جبرا.