في شريطه الروائي الطويل «بانتظار الخريف» الذي عُرض أخيراً في دمشق، يذهب جود سعيد عميقاً في تفكيك البنية القروية للساحل السوري، بضربات شاقولية حادة، تنطوي على قراءة سوسيولوجية غير مهادنة لأنماط من الشخصيات وجدت نفسها في ذروة المواجهة مع الأحداث التي شهدتها البلاد في صيف 2013، فالضربة الأميركية الموعودة كانت على الأبواب، ووتيرة العنف على أشدّها. ترقّب وخوف وتوجّس فيما تشتد المنافسة بين فريقي إناث للكرة الطائرة، على أمل الفوز بكأس الجمهورية. تتكشف أحوال قرية منسيّة في الجبال عن سلوكيات غرائبية، تقف عند تخوم الكوميديا السوداء بعدسة تستعير إيقاع الكرة الطائرة في الحوار بين الشخصيات، ذهاباً وإياباً. البساطة الخادعة التي تنطوي عليها وقائع الشريط، تبطن روحاً نقدية وتهكمية عالية بنبرة فانتازية، تقع في المسافة الفاصلة بين عنف أفلام أسامة محمد، وحميمية أفلام عبد اللطيف عبد الحميد التي عالجت هذا الريف سابقاً، ثم تدمجهما معاً في كادرٍ واحد. هكذا سنواجه رطانة الخطاب الرسمي، وببغائية الإنشاء المدرسي والحزبي والتعبوي من جهة، وفطرية الشخصيات في سلوكياتها الحياتية بوصفها ترجيعاً لهذا الخطاب وتراكمه في المخيال العام، من جهةٍ ثانية. هذا ما نجده جليّاً في شخصية نبال عطية التي لعبتها ببراعة سلاف فواخرجي، في أطيافها المتعدّدة، فهي المدرّبة السابقة للفريق، والمسؤولة الحزبية في القرية، والعاشقة الخائبة، ما انعكس على تكوينها الجسدي المشوّه، لكن شغفها بالحياة أنساها مرارة الخطأ الفيزيولوجي وتبعاته.
سننتبه إلى صراع الديّكة بين ضابطين متقاعدين انتهى أحدهما «أبو غازي» (عبد اللطيف عبد الحميد) مدرّباً لفريق كرة الطائرة في القرية، والثاني «أبو معن» (بشار إسماعيل) مشجّعاً للفريق الخصم. ورغم أفول مجد الثاني بانتهاء خدمته، إلا أنه يرفض الاعتراف بذلك، حتى أنه يتفاخر بالعقوبة التي نالها من ضابط كبير ما زال قيد الخدمة، نظراً لتصرفاته الهوجاء، لمجرد مقابلة هذا الضابط شخصياً، فيما يقع خصمه «أبو غازي» ضحية إشاعة تداولتها مواقع التواصل الاجتماعي والفضائيات تفيد بانشقاقه عن الجيش، في اللحظة التي كان فيها بين أهله، يتفرّج على التلفزيون، ما يثير غضبه، فيحطّم الشاشة.

مشهدية مشبعة بالتفاصيل المبهرة
كما سيضطر للموافقة على الإدلاء بتصريح للتلفزيون الرسمي ينفي فيه صحة هذه الإشاعة بضغط من جهة أمنية. هذه الروح العسكرية المتأصلة في جيل الآباء، ستتسرّب بدرجات متفاوتة، إلى جيل الأبناء في خلايا أصغر، نجد تمثلاتها في سلوكيات عسكري الحاجز، ومرافق الضابط السابق «أبو معن». لكن هذا العسف لن يمرّ من دون عقاب. في مربعٍ آخر، سنتعرّف إلى مخرج سينمائي (كامل نجمة) تعتقله إحدى الكتائب المسلّحة، وسيوثق حكاية اعتقاله وانتظاراته وأحلامه عن طريق الصورة كخندق آخر مضاد لعدسة القنّاص في حطام الشارع نفسه، في مواجهة مكشوفة بين صناعة ثقافة الحياة، وثقافة القتل، فيما تحاول زوجته (ربى الحلبي) التي تعمل مراسلة صحافية إنقاذه بأي ثمن، لكنها تُختطف هي الأخرى، قبل أن يُفرج عنها بمساومات مضنية.
بتأثير شغف الصورة، سيصحو أحد أعضاء الكتيبة المسلحة ويغامر بمساعدة المخرج على الهروب من معتقله، لكنّ تفجيراً عند الحاجز المتاخم للقرية سيودي بحياة المخرج، كما حدث قبلاً لفريق كرة طائرة آتياً من حلب. هذا الحضور الشرس للموت تقابله شراهة في امتصاص ما تبقى من حياة، ومحاولة تغليفها بهواء آخر. هكذا تحفر قصص حب جانبية مجراها، رغم فزع الفقدان، وإذا بحفلة العرس الجماعي تتحوّل عرساً جنائزياً بتراكم فواتير الألم، كأن فساتين العرس هي أكفان مؤجلة. كاميرا واثقة وحيوية في إغناء الكادر بمشهدية مشبعة بالتفاصيل المبهرة، ورهان صريح على تشريح أحوال الشخصيات من دون بنج، أو تجميل خارجي، فهي تتوغّل في العمق بقصد اختبار أسباب العلّة، وإن ارتأى صاحب «مرّة أخرى»، و«صديقي الأخير» معاندة الوقائع بإعادة الحياة إلى ضحايا الحرب، كنوع من مقاومة النسيان. نرى ذلك حين ينهضون من موتهم، كأن ما حدث لهم ليس أكثر من كابوسٍ عابر. الشريط الذي شاهدناه في عرضٍ خاص في «سينما سيتي»، كتبه جود سعيد، وعبد اللطيف عبد الحميد، وعلي وجيه (إنتاج المؤسسة العامة للسينما، وشركة آدامز برودكشن") ونال جائزة أفضل فيلم عربي في «مهرجان القاهرة السينمائي» الأخير. حمل العمل نكهة خاصة وجريئة ومفارقة في سرده البصري، عبر توثيقه المضاد لصور مزيّفة أغرقت الشاشات، فأتى في سياق حرب الصورة وسطوة الميديا، ساعياً بزخم إلى تفكيكها من الداخل، وسحب فتيلها المتفجّر، من دون ادعاء، مراهناً على بشر عاديين يتجاوزون محنهم بابتكار البهجة، في أكثر اللحظات مرارةً، وإن انحاز إلى مواقف كوميدية، في مطارح من الشريط، كانت تحتاج إلى نسبة أكبر من الشجن والصمت والأسى وربما الاحتجاج على عبثية حرب طاحنة، خلّفت وما زالت جراحاً لن تندمل بسهولة. وتالياً، فإن عنوان الفيلم في جوهره يحيل إلى فعل تعرية، وسقوط أوراق كثيرة عن شجرة مثقلة بالأكاذيب، وليس بربيعٍ مزعوم، وفقاً للتوقيع النهائي للمخرج.