حسين بن حمزة

في مجموعته الجديدة «للموت سرٌّ آخر» (الريّس)، وهي الثالثة عشرة له، يدعونا غسان مطر إلى قراءة شعرٍ موزون وموقَّع. لم يعد هذا النوع يُكتب بكثرة. الأجيال الجديدة تتدافع زرافات ووحداناً إلى قصيدة النثر، بل إلى نوع شبه موحَّد منها، ذاك الذي تُستثمر فيه السير الشخصية العادية وتفاصيل الحياة اليومية. قصيدة التفعيلة اليوم أشبه بكائن مهدَّد بالانقراض، إضافةً إلى أنّها تُعامل بازدراء يصل إلى حدود الإرهاب أحياناً. لا يمكن وضع الحق كلّه على ازدهار النثر. جزء من مشكلة التفعيلة موجود فيها طبعاً. إنَّها ملاحظة سريعة تتناهى إلينا ونحن نقرأ شعراً يقترح علينا الانعطاف وسلوك طريق جانبي أثناء سيرنا الروتيني في الأوتوستراد العريض للنثر. ننعطف فنحسُّ بأننا لم نغادر النثر فقط، بل غادرنا الواقع الذي يتغذى منه أيضاً.


قصائد تحدث في المعاجم واللغة والتخييل البلاغي

القصد أن معظم قصائد غسان مطر تحدث في المعاجم واللغة والتخييل البلاغي. من النادر أن نجد واحدة من مفردات الحياة الحديثة في أعماله. وإذا وجدناها فلأنّها مستخدمة في السياق العام لقصيدته، لا كما تَرِدُ، فظَّة وقاطعة وذات جلبة معدنية ومدينية، في تجارب أخرى. الشعر هنا غنائي ودرامي. سماته الأبرز هي البوح والتداعي اللغوي والتفلسف الذاتي، إضافة إلى الوزن والإيقاع والقافية. الأرجح أن شعراً بهذه السمات يُصعِّب على صاحبه الخروج عن النماذج النمطية في قصيدة التفعيلة. رغم ذلك، ثمّة سلاسة وعذوبة متأتيتان من عزوف صاحب «رسائل بيدبا السرية» عن الميوعة اللغوية والتفجع العاطفي المفرط. إنها قصيدة تفعيلة، لكن القارئ لا يفقد خيط المعنى فيها. «عندما تلمس روحي شعلةُ الله/ ويأتي الشعرُ/ ناراً في عروق الكلمات النازفة/ لا أنا أعرفُ، لا أنتِ/ ولا الحبرُ ولا السحرُ/ ولا يعرف الله/ من أينَ/ وكيف انفجرت/ بين ضلوعي العاصفه».
يجد هذا الشعر موضعاً صغيراً وقصيّاً في ذائقتك الميَّالة إلى النثر أو إلى تفعيلة مهاجرة إلى النثر اليومي كما هي الحال في نتاج سعدي يوسف ومحمود درويش. تزداد ملاحظاتك كلما تقدمت في القراءة، لكن عليك أن تتقبَّل ذلك على أساس أن التفعيلة التقليدية غالباً ما تكون مصحوبة بهذا النوع من الملاحظات. تضع ذلك جانباً، وتستسلم لنبرة الشاعر الذي ينحو إلى لغة إلقائية ومنبرية. مردُّ ذلك أن الوزن غالباً ما يكون طافياً على سطح الجملة، ويكون صوت التفعيلات بمستوى حضور المعنى أو أعلى منه. لا تبدو النبرة عالية وصاخبة، لكنّ طريقة تأليف الجملة وتسلسلها النحوي والإيقاعي يجعلها كذلك. هناك رغبة واستعداد لدى الشاعر لجعل اللغة تتغذى على الفصاحة والجزالة. المشكلة أن هذه اللغة هائمة أحياناً: «كيف أعبرُ هذا المدى/ والمراكب راسيةٌ/ مثل نوم المساء/ على ضفة المستحيل». الصورة هنا لا تمسِّكنا معنىً ملموساً.
في المقابل، نجد مقاطع أخرى يظل المعنى فيها واضحاً وملموساً رغم احتفاظ اللغة بمعظم عتادها المنبري، كما هي الحال في قصيدة «الذئب» المكتوبة بدفقة أسلوبية واحدة وصافية: «لا وقت أمام الوقت/ لغيرِ حراسة باب الموتْ/ أتذكرُ أني في ليلة ميلادي/ حاولتُ خداع الوقت/ فلم أصرخ كي لا يمسكَ بي/ من عنق الصوتْ/ وغفوتُ/ لكنَّ الوقت الكامن مثل الذئب/ تصيَّدني في شهقة أمي/ حين صحوتْ». على أي حال، الوقت حاضر بطرق متعددة في المجموعة. صاحب «عزف على قبر لارا» مشغول بتأمل فكرة الزوال والموت والانبعاث وتحويلها إلى فلسفة وخلاصات شعرية شخصية. ثمة عناصر دينية وماورائية تتسلل إلى القصائد، كما في القصيدة الأخيرة من المجموعة: «فليأخذ الله راحته حين ألقاه/ لستُ أفكر في عودةٍ ثانيه/ كتب الناس أقدارهم/ وكتبتُ حروفي على صفحةٍ عاريه».