«قنبلة موقوتة» للمخرجتين اللبنانيتين صوفي ديك وباتريسيا حكيم هو وثائقي كما جرى التعريف عنه، يصوّر أزمة اللجوء السوري في لبنان وتداعياته على مختلف القطاعات العامة كما الاقتصاد أو التعليم أو الطبابة... لكن بعد مشاهدة الفيلم إثر العرض الأول الذي دعت إليه مؤسسة «هنريش بل» الألمانية (الممولة للفيلم) في «مترو المدينة»، يخلص المشاهد إلى أنّ القنبلة الموقوتة الفعلية هي العنصرية التي يتصاعد إيقاعها تدريجاً مع تقدم الفيلم حتى نصل إلى المشهد الختامي.


في البداية، يصوّر الفيلم تعاطف مواطن لبناني مع إحدى العائلات السورية اللاجئة، ما يدفعه لمساعدتها على إيجاد مسكن أو إيصال الأولاد إلى المدرسة. ثم نرى مجموعة أخرى من المشاهد هدفها تبيان الوضع الإنساني الكارثي الذي يعانيه اللاجئون في ظل غياب أدنى متطلبات العيش أو الاستمرارية كالمسكن والغذاء، والطبابة وحتى الهواء أحياناً. ومن باب الاستعطاف المثير للجدل بحسب سياق الشريط، يستعرض الفيلم بعضاً من المشاهد التي تتسم بقسوتها الفجة، كالتركيز على أيدي الفتاتين السوريتين اللتين تعانيان من مرض جلدي نادر، أو مشهد الطفل الجالس أمام باب منزله فيما الذباب يحوم حوله رغم الجمالية السينمائية النسبية لهذا المشهد. أثناء كل ذلك وبين مشهد وآخر، نعود إلى صورة القنبلة الموقوتة التي بدأ وقتها ينفد على ما يبدو، وهي تمثّل حرفياً عنوان الفيلم، ما يجعلنا نشعر أننا أمام فيلم تشويق يعبّر عن مخيلة سينمائية يعوزها الابتكار. يستعرض الشريط في المقابل الأوضاع الصعبة التي يعانيها اللبنانيون بدورهم في وجود «دولة» تحرمهم من أبسط حقوقهم وتدفع بعضهم، بخاصة من هم الأكثر فقراً إلى الشعور بمنافسة اللاجئين السوريين لهم على لقمة العيش أو الطبابة المجانية. من حيث المبدأ، الأمر ليس خاطئاً تماماً، فكيف لدولة مستعدة لطمر مواطنيها حرفياً تحت النفايات في سبيل اقتسام أرباحها أن تكون قادرة على احتواء أزمة اللاجئين؟ لكن في ما بعد، يبرز الخطاب العنصري الأحادي الذي تتبناه شخصيات الفيلم ويراوح بين المضحك والمهين.


عبّر الحاضرون بمجملهم
سوريين ولبنانيين ــ عن استيائهم من مضمون الفيلم
يتجسد ذلك في الطالبة اللبنانية المراهقة التي تقول إنّ السوريين أتوا ليتقاسموا خيرات بلدها! لغة كأنّها مستمدة من درس أهبل في الجغرافيا لا ندري من لقنها إياه، مروراً بكل الاختصاصيين غير المختصين الذين تستضيفهم المخرجة لتلقننا معلومات غير دقيقة (أيضاً) عن انعكاسات أزمة اللاجئين على القطاعات العامة في لبنان، من الاقتصاد إلى التعليم والطبابة وحتى البيئة. ثم تصل بنا إلى استنتاجات عبقرية مثل أنّ اللاجئين السوريين أيضاً يفرزون النفايات في إشارة ضمنية إلى أنهم ساهموا ـــ إن لم يتسببوا ــ في استفحال أزمة النفايات! وهؤلاء السوريون أيضاً يشاركون اللبنانيين حتى الهواء، فهم يتنفسون مثلنا كما يقول أحد الضيوف ضاحكاً معتبراً إياها مزحة. ورغم كل هذه الأقاويل التي لا داعي لدحضها نظراً إلى تفاهتها، إلا أن العنصرية لا تستند أبداً إلى معطيات مقنعة، فهي تشبه بتفاهتها المزحة الرديئة، لكن هي التفاهة التي تتحول قاتلة. من المهين كلبنانيين قبل السوريين أن نضطر لمشاهدة هذا الشريط ونعاود رؤية نفس المخيلة العنصرية ــ والطائفية في الصميم كما يتأكد لاحقاً عبر الفيلم ـــ تعكس تجسداتها على واقع اللجوء السوري بعدما فعلت ذلك خلال الحرب الأهلية وحتى بعدها. يتجه مسار القنبلة الموقوتة في النهاية إلى الدكوانة في انعطافة متوقعة. نسمع رئيس البلدية يستعرض إنجازاته العظيمة في فرض حظر التجول على السوريين، وامرأة سورية مسيحية كما تؤكد لنا مراراً، تمتعض من وجود اللاجئين السوريين، وتعبّر بكل تأثر عن تخوفها على أطفالها من القادمين الجدد، وتمرّر ضمناً في خطابها أنّ هؤلاء لم يتعلموا أصول التمدن على الطريقة اللبنانية مثلها! تقول لنا إنّها تراقب ابنتها من البلكون كلما ذهبت إلى الكنيسة، وتختتم بوصفهم بأنهم أشبه بالقنبلة الموقوتة كما عنوان الفيلم، وبالطبع وجهة النظر التي يتبناها. يتأكد لنا مرة أخرى أن الخطاب العنصري هو في جوهره طائفي. في المناقشة التي تلت العرض، عبّر الحاضرون بمجملهم ــ سوريين ولبنانيين ــ عن استيائهم من مضمون الفيلم والخطاب العنصري الذي يتبناه. في المقابل، نفت صوفي ديك عنها تهمة العنصرية، مؤكدة أنها فوجئت مثلنا بآراء وأقوال الشخصيات. لعلّ المشكلة لا تكمن في الشخصيات التي يصورها الشريط، فقد يتخوف المواطن اللبناني البسيط في ظل الظروف الصعبة التي يعيشها وتدفعه غالباً للهجرة، من منافسة اللاجئ السوري على لقمة العيش خصوصاً في ظل غياب الدولة المنوط بها تنظيم أمور مماثلة، فالخوف من هذا المنطلق قابل للمناقشة والتحليل. إلا أنّ المشكلة الحقيقية هي المعاناة التي يستغلها الشريط ضمن الخطاب العنصري الذي يروّج له. ومن المستغرب أن تمول مؤسسة كـ «هنريش بل» التي «تدعم العدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان» فيلماً مماثلاً. لكن كما صرح المسؤولون، فالمؤسسة لا تتبنى مضمون الفيلم أو توجهه فهي غير مسؤولة عن النتاج النهائي للشريط بعد تمويله. وقد يمثل هذا الفيلم للأسف شريحة من اللبنانيين تنتمي إليها المخرجة من دون علمها على ما يبدو. لا أحد ينفي ذلك، لكن البقية التي ترفض هذا الخطاب كما حدث إبان عرض الشريط هي الضمان الوحيد ألا تنفجر هذه القنبلة الموقوتة.