تعشق هوليوود أجزاء الأفلام الكثيرة؛ خصوصاً تلك التي «تؤمّن» لها الكثير من المال. لذلك، لم يكن مستغرباً أبداً إعادة واحدة من أشهر سلسلات الأفلام إلى الواجهة مجدداً: «حرب النجوم». السلسلة الشهيرة التي عرفها الجمهور وعشقها مع أوّل أجزائها «حرب النجوم ــ الجزء الرابع: أمل جديد» في 1977، وكلّف آنذاك 11 مليون دولار أميركي، واستطاع آنذاك كسر الرقم القياسي محققاً أكثر من 775 مليون دولار.

قد يستغرب كثير من المشاهدين الجدد من اسم أوّل أجزاء السلسلة (معنوناً بالجزء الرابع). إنّها عادة أوجدها مؤلّف السلسلة ومخرجها الأوّل ومخترع الشخصيات فيها جورج لوكاس. اعتبر لوكاس أنّ «الأمل الجديد» هو «أهم حدث في هذه السلسلة»، لذلك عليه ببساطة أن يبدأ من هناك، وبعد ذلك يعود ليكمل الصورة/ القصة إذا ما وجد أن الناس أحبّوا الرواية من أساسها. استند الاسم بدايةً إلى مشروع «حرب النجوم» الذي أوجده الرئيس الأميركي رونالد ريغان أثناء الحرب الباردة، لكن قصة الفيلم كانت أبعد من ذلك بكثير. إنها حكاية الأميرة «ليا» التي تقرّر مقاومة «الإمبراطورية» التي يقودها الإمبراطور الشرير ومعاونه «دارث فيدر» (ذو القناع الأسود الرهيب والقوى الخارقة التي تدعى «القوة» في هذه السلسلة).
«القوة» (The Force) هي محور القصة الأساسية، فهي «عبارة عن طاقة حية موجودة، مستقاة من كل الكائنات ومتوافرة في كل أنحاء الكون» (وهو التفسير الذي استعملته شخصية معلم الجيداي الحكيم «يودا» لمتدربه لوك سكاي وولكر في الجزء الأوّل من الفيلم). من يستعملون القوّة للخير هم «فرسان جيداي»، أما من يستعملونها للشر فهم من «السيث». لكن هذا لا يمنع أن يتحوّل فارس من فرسان الجيداي الخيرين إلى شريرٍ وينضمّ إلى السيث. هذه القصّة التي ولدت في الجزء الأوّل من الفيلم الذي سرعان ما أصبح له أتباع ومريدون (Cult) جعلت أجزاءه تصل إلى سبعة، تحولّت إلى مسلسلات رسوم متحركة، وقصص مصوّرة، وروايات وألعاب وزينة، وغيرها.
تدور قصة الجزء الجديد الذي يحمل عنوان Star Wars: The Force Awakens (حرب النجوم: صحوة القوّة) بعد 30 عاماً على نهاية الثلاثية الأولى من الفيلم. إنّه عالمٌ مختلف، بلا «الإمبراطورية»، لكن في الوقت نفسه هناك «ورثةٌ» لها. لم ينته شيء بعد، وعلى الأبطال الذين شاخوا أن يكملوا الطريق. اللافت في الأمر أنّ لوكاس وجاي. جاي. أبرامز (مخرج الفيلم الحالي) أصرّا على إعادة أبطال الثلاثية الأولى لأداء أدوارهم مجدّداً. هكذا، عاد هاريسون فورد للعب دور «هان سولو»؛ المغامر وصائد المكافآت ذي الشخصية المرحة والشجاعة، إلى جانب صديقه «تشوباكا»، الكائن العاقل الشبيه بالشمبانزي المغطى بأكمله بالفرو. يعود أيضاً مارك هاميل بدور «لوك سكاي وولكر» بطل السلسلة السابق الذي بنيت عليه كل «آمال» فرسان الجيداي كونه كان آخر حاملي القوّة الخيّرة»، وكذلك الأمر بالنسبة إلى شقيقته الأميرة «ليا» التي أضحت في هذه السلسلة «الجنرال ليا أوريغانا» وتؤدي دورها كاري فيشر.
لا تكمن القصّة في هؤلاء فقط، فهناك أبطال جدد وشرّ جديد. لكن إضافة الشخصيات القديمة إلى الفيلم، تُعتبر إنجازاً وذكاءً كبيراً لجذب المشاهدين القدامى وعشاق السلسلة. تتمحور القصة الجديدة حول ثلاثة أبطال جدد: الشرير «كايلو رين» (آدم درايفر ــ المرشّح الأكيد لوراثة دارث فايدر)، و«راي» (دايزي ريدلي)، و«فين» (جون بوييغا). هذان الأخيران يمثلان الجانبين الآخرين من معادلة «حرب النجوم» الأثيرة. البطلة التي تمتلك قوى الجيداي بداخلها (أي القوّة) والبشري العادي الذي لا يمتلك إلا «شخصيته» وشجاعته الكبيرة. تدور رحى القصّة هذه المرّة في البحث عن «لوك سكاي ووكر» الذي هجر الكواكب واختفى بعدما اكتشف أنّ ما بناه لسنين طوال قد أضحى خراباً. عندها، يبدأ «رين» بالبحث عن والكر للقضاء عليه لأنّها الطريقة الوحيدة برأيه للقضاء على آخر مستعملي «القوّة»، وبالتالي «الأمل» بالنسبة إلى من يدّعون «المقاومة»، ويقفون بوجه من يريدون إعادة بناء «الإمبراطورية».
الجزء السابع والجديد من إخراج جاي. جاي. أبرامز (يشارك في الإنتاج أيضاً) الذي يعتبر أحد أهم مخرجي وصنّاع الخيال العلمي الحديث. الرجل سبق أن قدّم أفلاماً مهمة مثل «ستار تريك» (الجزءان الأخيران)، و«مهمة مستحيلة» (الجزء الثالث)، و«أرمغادون»، فضلاً عن مسلسلات من القيمة نفسها مثل Alias وLost. يعرف الرجل كيف يجذب الجمهور إلى هذا النوع من الأعمال، فهو يمزج بين تقنياتٍ عدّة.
في «حرب النجوم»، مزج الأكشن السريع والمباشر (كما في كل أفلامه) مع القصّة المسبوكة والقوية التي ميّزت الأجزاء الأولى. هو تعاون مع أحد كتاب السلسة الأوائل لورانس كاسدان، إضافة إلى مايكل أرندت (عرفه الجمهور لكتابته الجزء الثالث من «قصة لعبة»، و«مبارايات الجوع»، وLittle Miss Sunshine من دون أن ننسى لمسة أبرامز الكتابية الشخصية، ناهيك بالإفادة من جورج لوكاس كخبير شخصيات وإستشاري للفيلم. يضاف إلى كل هذا إصرار أبرامز على إبقاء القصّة ضمن محاورها الرئيسية التي جذبت الجمهور منذ البداية: الصراع بين الخير والشر، واللعبة الثلاثية: بشر عاديون، وسيث، وجيداي إضافة إلى كل الكائنات الأخرى الفضائية أو الإلكترونية الموجودة.
على جانبٍ آخر، استفاد أبرامز كثيراً من التفاصيل المتناثرة في السلسلة التي جعلتها تنجح بدايةً. مثلاً، يمكن تركيب وصناعة كل شيء في الفيلم من جديد من دون أن يشعر المشاهد بأنَّ ما يراه «مستحيل»: هناك مليارات الكواكب، والشعوب، والأجناس، والكائنات. لا يستغرب المشاهد مثلاً أن يركب سكانُ كوكب ما هم من السلاحف التي تطوّرت حتى باتت تشبه البشر، فوق نوع من الكائنات ذات الأرجل الأربع، متطوّرة عن السحالي مثلاً كما في بعض الأجزاء السابقة.
رافقت تصوير الفيلم في أبوظبي وإنتاجه ضجةٌ إعلاميةٌ كبيرة كون شركة «ديزني» الشهيرة (تولّت إنتاجه وتوزيعه في العالم بعد شرائها لشركة «لوكاس فيلم» صاحبة جميع حقوق الفيلم ومكتسباته بأكثر من 4 مليار دولار) قرّرت أن يكون هذا الجزء «الأكثر ربحية». وهو فعلاً ما يحصل حتى اللحظة، إذ أنّ Star Wars: The Force Awakens حقق بعد أيامٍ قليلة من خروجه إلى الصالات أكثر من خمسين مليون دولار من الأرباح (كلفته 200 مليون دولار وحقق 250 مليون دولار خلال ثلاثة أيامٍ فقط). أما أكثر ما يسرّ عشّاق السلسلة حالياً، وحتى بعد مشاهدتهم لهذا الجزء، هو أنّ جزءين تاليين (لإكمال الثلاثية) سيبدأ تحضيرهما قريباً للظهور خلال الأعوام المقبلة (2017 و2019).

*Star Wars: The Force Awakens: صالات «أمبير» (1269)، «سينما سيتي» (01/995195)، «فوكس» (01/285582)