لا يمكن العودة إلى أرشيف حرب لبنان من دون التوقّف عند صورة مراسليها ومصوّريها الصحافيين، وخصوصاً الأجانب منهم، الذين تحوّلوا إلى إحدى ظواهر الحرب، ثمّ إلى حدث من أحداثها حين بدأت عمليات اختطافهم أو تصفيتهم.

في 21 تشرين الأوّل (أكتوبر) الحالي، استضافت كلّية الإعلام (الفرع الثاني) في الجامعة اللبنانية نقاشاً عنوانه «الصحافيون والحرب»، من خلال تجربة لبنان الخاصة، وتجربة المنطقة اليوم، ضمن المؤتمر الذي نظمه «المعهد الفرنسي للشرق الأدنى» (IFPO) أخيراً بعنوان «مقاربات جديدة حول لبنان خلال الحرب». شارك في النقاش مدير قسم التصوير في «وكالة الصحافة الفرنسية» باتريك باز، ومدير مكتب الوكالة في بيروت سامي كيتز، ومراسل «بي. بي. سي.» في الشرق الأوسط جيم موير، ونائب رئيس تحرير جريدة «الأخبار» الزميل بيار أبي صعب، ومراسل صحيفة «لو موند» الفرنسية بانجامين بارت.
ساعتان ونصف ساعة، تخلّلتها مقدمات وعرض فيديو من أرشيف تغطية الحرب، ومداخلات قصيرة لخمسة ضيوف، لكلّ منهم تجربته المتعلّقة بأهمّ أحداث الحرب اللبنانية، وصولاً إلى الصراع الدائر في سوريا واليمن.

الجدل حول تغطية الحروب يوازي الجدل حول أحداث الحروب ذاتها، الوجود في قلب الحدث والتعرّض للخطر لنقل الصورة أو حقيقة الواقع الميداني، لا يعفي الصحافي من الأسئلة مجدداً حول دوره ومهنيّته. فللصورة أو للحدث تأثير قد يغيّر أحياناً مجرى الأحداث.
الصحافي في الميدان معرّض دائماً للخطر، لكنّه أحياناً، وبالمعنى المجازي، قد يصبح جزءاً من الحرب حين ينقل صورتها، مهما أبدى من موضوعية حياد، ومهما حاول بعدسته التقاط كل الزوايا، والتصوير في كل الجوانب. بعض القصص التي قدّمها المشاركون ذكّرت كيف يمكن أن يتعرّف الصحافي إلى قاتل، ويشاهده وهو يشارك في ارتكاب مجزرة في وضح النهار، ويأكل على مائدته أو يبيت في منزله، وكيف يتلقى آخر تهديدات من فريق معيّن، وكيف ينقل رسائل مدنيين انقطعوا عن رؤية بعضهم بعضاً بين منطقة وأخرى. للصحافيين الأجانب هذه الأفضلية في حروب منطقتنا، أي سهولة عبور خطوط التماس، لأنّ الصحافي المحلّي أكثر عرضة للخطر، ولا بد من أن يُحسب على معسكر ما. تجارب سامي كيتز وجيم ميور، أمثلة على قصص العبور من جانب إلى آخر بسلام. قال كيتز إنّه كان يضطر أحياناً إلى التزلّف للزعيم أو المسلّح أو الميليشيا هنا أو هناك، ففي النهاية هو يقصدهم في منطقة نفوذهم العسكرية، ويطلب مقابلتهم أو استطلاع آرائهم وقراراتهم.
في المقابل، يصف ميورالحرب في بيروت بـ«الجنة والنار في آن معاً»، مقارنة بغيرها من الحروب التي لم ير فيها إلا جهنم. ففي العاصمة اللبنانية، كان ممكناً رغم المعارك «السهر والشرب والاحتفال».
من زاوية أخرى، قدّم الزميل بيار أبي صعب مداخلته عن تغطية الصحافي الأجنبي لحروبنا، سائلاً: «ماذا يغطي؟ لمن ومتى؟»، مذكّراً بأنّنا «اعتدنا سماع قصصنا من الآخرين»، وأضاف إنّ المراسل الغربي يأتي غالباً مع حكمه المسبق، مع أفكاره التي قد تمثّل مصالح الجهة التي أرسلته.
لعلّ التغطية في حرب سوريا من قبل أطراف النزاع الإقليمية خير مثال. بدايةً، تمتّع المراسلون الأجانب بحريّة تنقل في مناطق نفوذ المعارضة، افتقدوها في مناطق نفوذ النظام، لكن لاحقاً، حتى في المناطق التي ظنّوا أنّها آمنة، تعرّضوا للخطف والإعدام والاستغلال أحياناً.
تطرّق النقاش أيضاً إلى الصعوبات التقنية واللوجستية في نقل الأخبار. في حرب لبنان، لم تكن هناك أدوات ووسائل متطوّرة كما اليوم. كانت خطوط الهاتف الأرضي معطّلة في معظم الأحيان، فيما شكّلت آلة التلكس الشهيرة خشبة الخلاص. كذلك الأمر بالنسبة للمصوّر باتريك باز الذي كان يتمكّن بواسطة آلة أخرى من إرسال صورة أو اثنتين إلى «أ. ف. ب»، من أصل العشرات.
لم تستمر الوسائل المتطوّرة والتكنولوجيا في خدمة التغطية الإعلامية للحرب السورية بعد أربع سنوات على بدايتها. روى بانجامين بارت كيف يضطر الى الاعتماد مجدداً على العنصر البشري، أي على مقيمين في مناطق لا يستطيع الأجانب دخولها. في حرب سوريا، تحوّل شاهد العيان إلى مراسل ميداني، بغض النظر عن ميوله أو مواقفه، وعن دوره أو شكل مشاركته في ما يجري. والأهم أنّ عملية التدقيق في صحة الخبر الوارد على لسانه أو في رسائله الهاتفية ليست بالمهمّة اليسيرة.
شمل النقاش أيضاً تسمية هذه المهمّة ومفهومها. فتسمية «صحافي الحرب» أصبحت تشمل جميع من يشارك في التغطية، وتكاد تصبح مصطلحاً يحمل مغالطات. «أنا لست صحافي حرب، أنا كنت مراسل وكالة «فرنس برس» في الشرق الأوسط، وفي الشرق الأوسط حروب بشكل دائم»، قال سامي كيتز. أما مراسل الحرب، فقد عُرّف خلال النقاس بأنّه «الملحق الإعلامي العسكري الذي يعمل ضمن صفوف الجيش».
أما عن الصحافة المحلية في الحرب والتي لم يظهر دورها جلياً إلى الخارج إلا مع الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، فقد قدّمت الصحافية جوزيت أبي تامر شهادة عرضت فيها كيف تناولت الصحافة المحلّية، ولا سيّما صحيفتا «النهار» و«السفير»، الذكرى الأربعين لاندلاع الحرب في لبنان. وبدا لافتاً الاختلاف المستمر في التوصيف بين «حرب أهلية» و«حرب الآخرين على أرضنا».