تونس ــ سفيان الشورابي

كأنّ عقداً من القمع لا يكفي لتقليص اهتمام التونسيين بالشأن العام... وها هي وسائل الإعلام المحلية تتبارى في تمجيد إنجازات «الأب الأكبر»، قاطعة الطريق على بروز أي منافسة له في الحكم. ورغم أنه لم يعد يفصلنا عن الانتخابات التشريعية والرئاسية سوى شهريْن، فالغالبية الساحقة من التونسيين لا يعلمون سوى القليل عن المرشحين بسبب انحياز وسائل الإعلام للرئيس المنتهية ولايته زين العابدين بن علي وحزبه «التجمع الدستوري الديموقراطي».
واليوم، تتعالى الأصوات المطالبة بإجراء تغييرات في المشهد الإعلامي بعدما ثبت خلال انتخابات 2004 عدم حيادية جميع مكوناته، وفشله في احترام المبادئ الأساسية لضمان التوازن في التغطية لجميع الأحزاب السياسية ومرشحيها.
وفي تقرير أعدته جمعيات غير حكومية عقب تلك الانتخابات، حصل الرئيس بن علي وحزبه على أكبر مساحة من التغطية الإعلامية الإيجابية. الصحيفتان الحكوميتان «لابراس» و«الصحافة» مثلاً خصصتا نسبة كبيرة من التغطية لمصلحة حزب «التجمع» (75 و 84 في المئة)، وعلى المنوال نفسه، خصصت الصحافة الخاصة نسبة 69 في المئة من تغطيتها لمصلحة ذلك الحزب.
ومع أنه خضع لتعديلات عديدة، ما زال القانون الانتخابي لا يضمن العدل بين المرشحين للوصول إلى وسائل الإعلام. إذ قالت الخبيرة القانونية سلوى الحمروني لـ«الأخبار» إنّ «المشرع التونسي يصمت على هذه المسألة ويترك للسلطة التنفيذية أمر تنظيمها». وتنعدم في تونس مؤسسات حكومية مختصة تضبط أوقات الدعاية الانتخابية بتوازن. وفي السياق عينه، أكّد صحافيون يعملون في «لابراس» و«الصحافة» أنه في الانتخابات الماضية تلقّوا تعليمات بعدم تغطية أنشطة مرشحي المعارضة إلا عندما يطلب المسؤولون عنهم ذلك. وكُلِّف عدد من الصحافيين بإجراء حوارات مع شخصيات معروفة أشادت بإنجازات الرئيس المتخلي وبالاهتمام بنشاطات أعضاء الحكومة والمسؤولين الرسميين من الحزب الحاكم الذين كانوا يقومون بالدعاية الانتخابية للرئيس. وكرّر آخرون أنهم تلقوا أوامر من رؤساء تحريرهم بألا يساووا في كتاباتهم بين الرئيس بن علي وبقية المرشحين في الانتخابات الرئاسية.
على صعيد آخر، ولو أن القانون يضمن استغلال التلفزيون الحكومي للدعاية الانتخابية، فإن حرية المرشحين تُقيّد بإجراءات خاصة، ما يُفقد العملية الدعائية معناها. مثلاً، الحصص التلفزيونية المخصصة للمرشحين تُسجل بحضور قضاة ولا تُبث مباشرة! ويشتكي المرشحون من حضور القضاة خلال التسجيل معتبرين ذلك وسيلةً لترهيبهم.
وهذه الصورة لم تتغير طيلة السنوات الخمس الماضية، يواصل مرشحو المعارضة معركتهم من أجل التواصل مع التونسيين وكسر «جدار برلين الإعلامي»، عسى أن يحظوا باهتمام أكثر عدلاً خلال الحملة الانتخابية المقبلة.