حسين بن حمزة

يكاد لا يعلق في بالنا شيء ونحن نقرأ مجموعة «أعطيتُ المرآة ظهري» (دار الريس) للشاعرة والإعلامية البحرينية بروين حبيب. ما نجده هنا هو كتابة شعرية صارت خلفنا منذ زمن. كتابة وجدانية وبوحية ذات بنية بسيطة ومكشوفة. كأن الشاعرة تُدير ظهرها... ليس للمرآة، بحسب عنوان المجموعة، بل لكل حساسيات وتقنيات ومجازفات وألاعيب الشعر الراهن، مكتفية بالدوران اللغوي المباشر والحميم حول الذات ومشاغلها الأكثر عمومية. الذات منبع خصب وأبدي للشعر، لكنها هنا مجرد مرادف بديهي للحب والشوق والخواطر: «مطر، مطر/ أريد أن أرى وجهكَ في المطر/ وجهك وزجاج المقهى/ ونافذة القطار/ نديّة/ والمطر صامتاً يبلل شعري/ أسير قريباً، وأغيّر اسمي/ أصطفي من ضباب غيابك/ قصيدةً راقصة/ أترك الشتاء في عهدة الصيف/ وقلبي في الخطر/ في روح النار/ جائشةً/ مطر مطر/ أمشي، بلا وجهٍ، وأراك، غريباً في المطر».
الرومانسية المفرطة السارية في سطور المقطع السابق ستحضر مفرداتها وصورها وتراكيبها في قصائد أخرى، فنقرأ «حبكَ حبرُ الوجود» و«أشربُ نخب حماقات القلب» و«القلب ذاكرة ذابلة» و«في البدء كان القلب» و«أيها الشتاء القاسي/ كيف ملأت جراري بالصقيع»... إنه نوع من الإسراف العاطفي والتحلية اللغوية يصلح أن يُوضع في باب المطارحات الرومانسية.


كتابة وجدانيّة وبوحيّة ذات بنية بسيطة ومكشوفة ومعجم واحد تنهل منه الشاعرة
المشكلة أن البعض، وخصوصاً الشاعرات، لا يزال يُقبل على هذا النوع ظانّين أنهم يكتبون شعراً حديثاً، فيما الشعر ممارسة أكثر تعقيداً وتشعباً وخطورة من «الشاعرية» الجاهزة التي تنضح بها نصوص هؤلاء. معظم ما تكتبه صاحبة «رجولتك الخائفة طفولتي الورقية» يقع في الشاعرية، لا في الشعر. فجأة، نعثر على جملة أو سطر مشغول بطريقة مختلفة، كما هي الحال في صورة كهذه: «في الغابةِ باكراً/ أريد أن أكون انتباهةَ الغصن» أو في قصيدة قصيرة: «يتيمةً ألهو هناك/ الشاطئ صامتٌ كشريط قديم/ وصورتي الطفلة تهبُّ بفستانها الملون/ صورتي لمّا كنتُ/ زهرة حمراء في رملٍ أسود». ولكن هذه المحاولات النادرة تبدو مثل رميةٍ من دون رامٍ، إذْ إن المعجم الذي تغرف منه الشاعرة لا يتغير كثيراً، لذلك سرعان ما تضيع مثل هذه الصور في لجّة السطور العادية، ونعود لنقرأ بوحاً مكروراً ومستعملاً بكثرة: «في ملكوت الشوق/ أدركتُ/ أخيراً/ أن جسداً واحداً لا يسعُ الأرض كلها».