هل تختفي الصحافة الورقية؟ سؤال إشكالي لا ينفك يُطرح على صعيد العالم، ولا سيّما مع تفاقم أزمة عائدات الإعلانات في الصحف والمجلات. عربياً، وتحديداً في لبنان، نسمع الكثير أخيراً عن مشاريع تطبخها بعض المؤسسات الإعلامية المكتوبة على نار هادئة، تهدف إلى تقليص دور الورق ــ مع احتمال الاستغناء عنه تماماً ــ لصالح المواقع الإلكترونية. مشاريع تسير من خلالها على خطى صحف ومجلات عالمية بدأت السير على هذا الدرب فعلاً، ولو بخطوات صغيرة.


آخر الأنباء التي تم تداولها في الكواليس تتعلّق بـ«الحياة»، وتفيد بأنّ القائمين عليها يتجهون نحو تعزيز دور النسخة الرقمية من الصحيفة اللندنية العريقة، في مقابل تحجيم الورق بشكل كبير، على أن يترافق ذلك مع عمليات صرف واسعة. نحمل هذه الأخبار إلى المدير التنفيذي للصحيفة رجا الراسي الذي ينفيها نفياً قاطعاً، مشيراً إلى «أنّنا أوّل من بادر إلى الاهتمام بالويب منذ 15 عاماً تقريباً، ونعمل على تطويره وتوسيع فريق العمل الخاص به بشكل مستمر. ومن المهم جدّاً اليوم مواصلة التركيز عليه، وخصوصاً مع تراجع مبيعات الورق وحجم الإعلانات. نسبة القراءة في العالم العربي عموماً محزنة جداً».
إلى جانب قلّة اهتمام العرب بالقراءة، يتحدّث رجا الراسي عن صعوبات عدّة تحول اليوم دون استمرار الإعلام المكتوب على شكله الحالي لفترة طويلة، أبرزها شحّ الإعلانات. غير أنّه ليس واضحاً ــ برأيه ــ ما إذا كانت الإعلانات الرقمية ستتمكّن «من تعويض خسارة الورق»، موضحاً، على سبيل المثال، أنّه يصعب إقناع القارئ بدفع مبلغ من المال مقابل الحصول على الأخبار.


شكوك في استطاعة
النسخ الرقمية تغطية
خسائر تلك الورقية


في هذا السياق، يشير الراسي إلى المدوّنات والمواقع الإخبارية التي تجمع المعلومات من المؤسسات الإعلامية «التي تدفع ثمن عملها جهداً ومالاً» وتوفّرها للقارئ مجاناً على الشبكة العنكبوتية، متطرّقاً إلى تراجع أعداد الأشخاص الذين تنحصر قراءتهم بالورق، ليوضح في النهاية أنّه «لا يمكننا القول إنّ النسخة الورقية من «الحياة» ستبقى إلى الأبد، لكن موعد النهاية غير واضح بعد. ومن المؤكد أنّها لن تحدث في عام 2016 مثلاً». وهو ما تقوله لنا مصادر أخرى مطلعة في هذه المؤسسة، فضّلت عدم كشف أسمائها.
قبل «الحياة»، تردّد أنّ «النهار» قد تُقدم على إقفال نسختها الورقية بحلول رأس سنة 2016، وخصوصاً في ظلّ الأزمة الاقتصادية التي تعانيها. وفيما ينفي هذه «الشائعات»، يؤكد مدير تحرير الجريدة الثمانينية غسّان حجّار في اتصال مع «الأخبار» أنّه «بدأنا مواكبة التطوّر منذ فترة طويلة لجهة الموقع الإلكتروني، وتحديث الأخبار، والخدمات الرقمية، وتلفزيون الويب. لا شكّ في أنّ الورق إلى تراجع، إلا أنّه من غير المعلوم إلى متى يمكنه الصمود». من وجهة نظر حجّار، فالنسخة الورقية من «النهار» تؤمّن إعلانات أكثر من الموقع الإلكتروني: «الإعلانات المطبوعة أغلى ثمناً». «النهار» بشقيها الإلكتروني والمكتوب باقية كما هي على المدى المنظور، مع الحرص على «التكامل بينهما وعلى التطوير الدائم»، مرجّحاً أن ينتهي عصر الورق حين «يختفي قرّاؤه وتصبح العائدات التي تؤمنها إعلانات الويب كافية. وطالما الورق قادر على العيش، فجريدة «النهار» لن تتخلّى عنه».
من جانبه، وتأكيداً على إهتمام «السفير» بوجودها على الشبكة العنكبونية، يشير المدير العام أحمد سلمان إلى أنّ هناك موظّفة متفرّغة لوضع الإستراتيجية المتعلّقة النشر الإلكتروني. ويلفت إلى أنّ تقليص حجم الورق بدأ فعلاً كما في صحف لبنانية أخرى، نظراً إلى تراجع كميات التوزيع وإختلاف طرق حصول القارئ على المعلومات، مستبعداً في المقابل إنتهاء عصر الصحافة المكتوبة. «الرقمي أتى لتعزيز الورق وتوسيع إنتشاره بتكاليف أقل، لكنّ التجربة الورقية ما زالت مربحة أكثر في السوق اللبنانية لأنّ المردود الإلكتروني لا يغطّي التكاليف»، يقول. إذاً يشارك سلمان رجال الراسي وغسّان حجّار رأيهما لناحية عجز المواقع الإلكترونية وحدها عن تأمين المصاريف، مشدداً على ضرورة التكامل بين موقع «السفير» ونسختها الورقية، ولافتاً إلى أهمية نسخة الموقع الخاصة بالهواتف الذكية، والتطبيق، ومختلف الحسابات على مواقع التواصل الإجتماعي.
أما الزميل بيار أبي صعب، فيجزم بأنّ الصحافة الورقية لن تموت. في إطار شرحه للمسألة، يقول إنّه مع كلّ ثورة تكنولوجية تبرز مخاوف حول تدميرها لما سبقها، لكن «الفيديو والتلفزيون والـDVD والمشاهدة الحيّة أونلاين لم تقتل السينما، بل نحن نشهد تطوّرها، وخصوصاً سينما المؤلف. في ظل التطوّر التكنولوجي، طوّر الفن السابع لغته ودخل التلفزيون شريكاً في عملية الإنتاج!». الأمر نفسه ينطبق على الصحافة المكتوبة. وفق أبي صعب، الثورة الرقمية تزعزع الورق، لكن على وسائل الإنتاج القديمة أن تعيد النظر في بناء نفسها مجدداً. هكذا، تكون المطبوعات أمام تحدي التطوير والتجديد من أجل تحقيق التكامل.
يرى أبي صعب أنّ مشكلة المؤسسات الإعلامية الورقية لا تتعلّق بالتطوّر التكنولوجي لأنّه يتم الحديث عنه منذ أكثر من عشر سنوات، كما أنّ التلفزيونات تعاني أيضاً. القصّة ترتبط بالعاملين في هذا المجال، إذ يعانون من قصور في تطوير مهنتهم وأدواتها، إضافة إلى مشكلة في القراءة نفسها لأنّ آلياتها تغيّرت اليوم.
«من الخطأ الاستسلام للتكنولوجيا، وعلينا البحث عن قيمة إضافية نعطيها للورق لا يقدر الرقمي على توفيرها، وبالتالي استقطاب جمهور جديد وإعادة آخر تركها ربّما، مع العلم بأنّ في لبنان جيلاً كاملاً لا يزال يلجأ إلى قراءة الورق».
يلخّص أبي صعب الأزمة اليوم بالاقتصاد اللبناني المهزوز، والنقص في المال السياسي لأسباب عدّة، والترهّل الذي تعانيه المهنة، وقد أفقدها جاذبيتها. لذلك، تحاول «الأخبار» حالياً التصدي لهذا الموضوع عبر العمل على إنشاء موقع إلكتروني عصري، يوفّر إضافات تلبّي متطلّبات المرحلة والعصر من أجل حماية التجربة الورقية واستكمالها.