فيلمان مختلفان تماماً حالياً على الشاشة: الأوّل ليسري نصر الله والثاني لخالد يوسف. مخرجان مصريان تتلمذ كلّ منهما على يد الراحل يوسف شاهين


محمد رضا
مبدأ «الاكتفاء الذاتي» يسيطر على عدد من السينمائيين العرب، ويحول دون متابعتهم لما يجري حولهم في العالم على مستوى الفنّ السابع، بمختلف الاتجاهات والأساليب التي تطرح القضايا الاجتماعية والسياسية. خالد يوسف أحد هؤلاء، ولو أنّه يمتلك قدراً لا بأس به من الدراية التقنية التي تمنحه مفاتيح معالجة فنية جيّدة. لكن الأمر مشروط بقرار الخروج من صندوق يزداد صغراً كلّما ازدات طموحاته كبراً.
في أفلامه السابقة، يجد المرء طاقةً كبيرةً على الحركة الدؤوبة: الانتقال داخل الحكاية بهدف كشف شخصياتها وظروف أحداثها، والانتقال بها في إيقاع سريع من مرحلة إلى أخرى. ولأنّ خالد يوسف عمل طويلاً مع يوسف شاهين، فإن تأثّره بالتركيبة الشاهينية للموضوع تبدو دامغةً: حاجة إلى تكثيف القراءة لدى مطالعتنا لأيّ شخصية على الشاشة، بحيث لا توجد شخصية طبيعية أو عادية، بل اكتناز لبعد يختزلها تاريخاً وواقعاً، رغبة في توسيع رقعة الحدث الماثل كي يرمز إلى الوطن، والأرض، ومنابع النيل، والشعب المصري بأسره، وإدانة للرموز في حياة المواطن ومحاولة لكشف عيوبها، وتصوير سقوط الضحايا تحت عجلاتها إلى أن يتحرّك الشعب في تظاهرة كبيرة ضد هذه الرموز.
لكنّ الفرق أنّ يوسف شاهين كان يرتكز في معظم أعماله على التجربة الفردية، خالقاً شخصيةً موازية لشخصيته تُحدّث عن جزء من سيرته الخاصّة. نرى ذلك واضحاً في ثلاثيّته الذاتية («إسكندرية ليه»، و«إسكندرية كمان وكمان»، و«حدوتة مصرية»)، كما في «اليوم السادس» و«المهاجر» و«المصير» قبل أن يعود إلى سيرة حياته في «إسكندرية... نيويورك».
أمّا خالد يوسف، فغائب عن أفلامه حتى الآن: في «خيانة مشروعة»، و«حين ميسرة»، وقبلهما «أنت عمري» و«ويجا»، نرى رأي خالد يوسف لا رؤيته. طبعاً يسهل القول هنا إنّ ما يعرضه هو رؤيته. لكن حتى لو كان هناك نصيب من الصحّة في هذا الدفاع، إلا أنّ الرؤية هي التعبير الفني النافذ في الموضوع المطروح. المخرج لا يعبّر ـــــ أو من المفترض به ألا يعبّر ـــــ عن رؤيته خطابيّاً بل أسلوبياً... وأعمال خالد يوسف، حتى الآن، تقوم على رأي يوازي الخطاب، ومعالجة إخراجية توازي التنفيذ.
قبل استقلاليته الكاملة عن يوسف شاهين، أسهم خالد يوسف في كتابة عدد من أعمال السينمائي الراحل، بدءاً بـ«المصير» و«الآخر» وصولاً إلى «إسكندرية ... نيويورك». كما أدى دور «مساعد المخرج» في «المصير» و«سكوت حنصوّر»... قبل أن يوقّع اسمه مخرجاً إلى جانب يوسف شاهين في «هي فوضى».
ولم يتح لمخرج آخر الالتصاق بعملية صقل الفيلم الشاهيني إلا نادراً. الناقد الراحل سمير نصري عمل مع شاهين في الستينيات، واستنتج من تجربته ما جعله يُقدم على إخراج «فجر يوم جديد» الذي لم يحمل إلا قليلاً من حسنات أفلام شاهين آنذاك.
كذلك، عمل يسري نصر الله مع شاهين وحملت أفلامه الأولى ملامح شاهينية أكيدة، ولمّا تزل في بعض الحالات. يسري نصر الله وخالد يوسف حاضران حالياً على الشاشات بفيلمين يتعرّضان لسلبيات المجتمع المصري: «احكي يا شهرزاد» للأوّل، و«دكان شحاتة» للثاني. لكنّ اشتراكهما في التصدّي للوضع القائم لا يجعلهما مصنفين بالضرورة في خانة الأفلام الاحتجاجية التي تخرج من حين إلى آخر في مصر... وآخرها «حسن ومرقص» لرامي إمام. الفيلم الأخير محاولة بائسة لطرح ضرورة التلاحم بين المسلمين والمسيحيين في مصر، عبر أحداث تخرج من سياق المعقول وتدخل في سياق «الخرافيا» (على وزن فانتازيا أو نوستالجيا). طبعاً، هذا الخروج مقصود أو نصف مقصود، لكنّ سوء التنفيذ جعل هذا النصف طاغياً. لذلك، إذا استبعدنا أنّ تقمّص مسيحي لشخصية مسلم، ومسلم لشخصية مسيحي، كان يمكن أن يتم بنجاح لو أنّ القصص فردية محسوسة على هذا الصعيد، وليست مغطّاة بطابع الإبهار وحشر الحكومة حشراً مع استبعاد أي لوم لها... فإنّ ما يبقى من الكوميديا مشاهد لفتاة مشوّهة الوجه ومتخلّفة عقلياً، وسكرتير وزير مضطرب ومهزوز. أما طرح موضوع التلاقي والتآخي، فيبقى في نطاق النيّة ليس إلا. وإذا خرج من ذلك النطاق، أساء إلى رسالته أكثر مما خدمها.
رامي إمام لم يعمل مع يوسف شاهين، لكنّ نهاية فيلمه تلتقي مع نهاية فيلم شاهين وخالد يوسف في «هي فوضى»، حيث تدور معركة كبيرة في الشارع. لكنها تختلف اختلاف الإيجابي عن السلبي: في «هي فوضى» المعركة تدور بين الشعب والبوليس. وبالتالي، فهي ـــــ بصرف النظر عن مستوى الفيلم ـــــ تمثّل دعوةً إلى الثورة على وضع خطأ، بينما هي في «حسن ومرقص» تأكيد أن الشعب على خطأ، وها هو يتقاتل ولا دخل للانقسام الطائفي بالمشاكل الاجتماعية العديدة التي تتجاوز قدرة الناس العاديين على التحكّم فيها.
الذين عملوا مع يوسف شاهين وأصبحوا مخرجين هم كثر، لكنّ معظمهم لم يحمل ملامح شاهينية مهمّة حين قرر الطيران بجناحيه، بينهم أشرف فهمي وداوود عبد السيد وعلي بدرخان وأسماء البكري ورضوان الكاشف وخالد الحجر. لكنّ استقلاليّتهم كانت بحد ذاتها إضافةً، عبر ابتعاد معظم المذكورين (باستثناء خالد الحجر) عن تطبيق تعاليم المؤسسة الشاهينية. أسّسوا لأساليبهم الخاصّة وبرعوا فيها، وهو ما يبدو المطلب الأول ليسري نصر الله وخالد يوسف.
خالد يوسف أفاد من ثلاثة أمور خلال عمله مع يوسف شاهين: الالتزام بقضية، تقديم شخصية مكثّفة أو رمزية ورسم سياسة لحركة الكاميرا وفق معطيات المكان. لكن أهم ما عند يوسف شاهين بقي خارج اهتمام خالد يوسف، وهو منح ما يجري أمام الكاميرا مرجعية الراوي. في أفلام شاهين، هناك «الأنا» التي نقلها يسري نصر الله على نحو متفاوت الحسنات. نراها بارزةً في «مرسيدس» و«سرقات صيفية»، ثم تختفي في «باب الشمس» لتعود في «جنينة الأسماك» و«احكي يا شهرزاد»... من دون أن يعني ذلك أنّ الأفلام التي تحمل ذاتية المخرج في أعمال نصر الله هي أفضل من تلك التي لا تحملها.
يشترك «دكان شحاتة» و«احكي يا شهرزاد» في التعرّض لقضايا اجتماعية، ويختلفان في كل شيء آخر تقريباً... إلا أنّ ما تحتاج إليه السينما المصرية، تحديداً خالد يوسف، هو العودة إلى منوال السينما السياسية الإيطالية في الستينيات والسبعينيات، إذ حدّدت هذه الأعمال منطقة النقد أو الاحتجاج، وتعاملت معها من خلال معالجة إبداعيّة تحيط بالواقع، ولا تخون السينما بمختلف مقوماتها... سواء كان الفيلم كوميدياً أو درامياً أو شبه تسجيلي. أفلام إليو بتري وايتوري سكولا وفرانشيسكو روزي، هي مهمّة اليوم كما كانت مهمّة لدى ظهورها... فهل يمكن أن نقول الكلام نفسه على تجارب خالد يوسف؟ المشكلة الأساسيّة لدى هذا المخرج، وسواه، هي الرغبة في قول كل شيء... علماً بأنّه يغامر والحالة هذه، في عدم قول أي شيء على الإطلاق.



مقصّ الرقيب

قبل عرضه، واجه «دكان شحاتة» خطر مقصّ الرقيب إلى درجة أن خالد يوسف (الصورة) أعلن أنّه لن يعرض الشريط إن تعرّض أحد مشاهده للحذف. والمشكل سببه المشهد الأخير، حيث يُقتل شحاتة (عمرو سعد) على أيدي إخوته، وتتطوّر الأحداث فيهبّ أصدقاء شحاتة للنيل من القاتلين، فيشعل المتطرّفون الموقف بمساعدة «البلطجية»، في ظلّ غياب الجهات الأمنية القادرة على ضبط الوضع. اللافت أنّ هذه الأحداث لا تختلف عمّا شاهدناه في آخر أفلام يوسف شاهين «هي فوضى».