صباح أيوب
منذ ما قبل انتشار الراديو واختراع التلفزيون، كانت هناك. وُلدت تحت جسر في لندن وانتشرت في المملكة قبل أن تقوم بـ«فتح» فرنسا والولايات المتحدة، ثم دول العالم قاطبةً. طبعت غلافاتها ذاكرتنا وأرّخت مقالاتها لحقبات وموجات ثقافية، فباتت الشاهد الأكبر على العصر. المجلات الأشهر في العالم، كيف نشأت؟ وأين هي اليوم؟ وهل صناعة المجلات مهددة أيضاً كالصحف؟ ماذا عن محتوى هذه المجلات التي تكاثرت جداً في السنوات العشر الأخيرة؟ أسئلة وردت في الشريط الوثائقي «المجلات الكبرى» الذي عرضته arte ليلة أمس (من اخراج إيرين أنجيليكو وآبي نيديك) وروى تاريخ نشوء المطبوعات الدورية الأولى واستعرض في ساعة ونصف ساعة مختلف محطات صناعة المجلات الأشهر في العالم.
من مطبعة Saint John’s Gate في لندن، انطلقت أول مجلّة في العالم وكانت تدعى The Gentelman’s Magazine. هكذا استخدمت كلمة «مجلّة» لأوّل مرّة في التاريخ عام 1731.
تنقلت كاميرا الشريط بين لندن، باريس، شيكاغو، نيويورك، وكابول مسلّطة الضوء على أشهر المؤسسات الصحافية من المجلة الأولى في لندن إلى المولود الجديد في أفغانستان! حقبات تاريخية وتيارات ثقافية وأنماط اجتماعية أرّخت لها صفحات المجلات. هكذا باتت الصور والمقالات جزءاً لا يتجزأ من مراحل زمنية معينة كالثورة الصناعية، وفترة الرخاء، والحقبة الاستهلاكية، والـ«هيبيز» وثورات الثقافة البديلة، وتحرر المرأة، ثم الحروب الأخيرة إلى الثورة الرقمية... وجوه السياسة ونجوم السينما والغناء والفن وعارضات الأزياء يتساوون من حيث الأهمية في المجلات. وقد أثبتت الأغلفة الأشهر في تاريخ المجلات أنّ القليل من الحقائق والكثير من «الأضواء» كفيل ببيع أعداد كبيرة من المجلة التي تتميز بوجه «ضارب» على غلافها!
واكبت المجلات بمواضيعها الجو العام للحقبة التاريخية. في نهاية القرن التاسع عشر، ومع تحوّل المجتمع الأميركي إلى استهلاكي بامتياز، أسهمت مقالات المجلات وإعلاناتها في نشر الثقافة الاستهلاكية التجارية. فكانت المقالات تروّج للأدوات المنزلية والسلع الأخرى متوجّهة إلى ربّات المنازل. هكذا، تنبّه القطاع الإعلاني إلى أهميّة المجلات وبدأت تتبلور حتى باتت من مكوّنات الصفحات الأساسية اليوم ومصادر التمويل الرئيسة.
حاول الوثائقي المرور على أبرز المؤسسات الصحافية التي تنتج مجلات دورية: «نيويوركر»، «فوغ»، «فانيتي فير»، «لايف»، «تايم»، «بلايبوي»، «كوزموبوليتان»، «رولينغ ستون»، «ميس»، «ذي أدفوكايت»، «باري ماتش»... مجلات لا تزال في الأكشاك لغاية اليوم، وتحاول أن تجدد نفسها محافظةً على «القضية» والخط الذي نشأت من أجله. سياسة، جنس، نجوم، حياة المشاهير وأسرارهم مرفقة بصور حصرية من الباربارازي، هي القائمة الأساسية للمواد التي تناولتها المجلات ولا تزال منذ عصرها الذهبي (في الخمسينيات والستينيات). تغيّرت الوجوه ربما لكن المواضيع هي نفسها أضيفت إليها «تغطيات الحروب التي باتت على الموضة» كما يُجمع معظم رؤساء تحرير تلك المجلات.
ينتهي الوثائقي بالإشارة إلى أزمة جدية تواجهها المجلات من حيث التميّز في المحتوى ومنافسة الإنترنت. هل ما زلنا بحاجة إلى المجلات؟ يطمئن أحد رؤساء التحرير: «نعم، طالما لا نزال نسأل أنفسنا: بمن نريد أن نتشبّه غداً؟».



Les Grandes Magazines يعاد بثّه غداً على arte الساعة 2:15 والخميس 23 تموز ـــــ الساعة 10:55