استعاد هذا الموعد السنوي في دورته الخامسة المفكّر الفلسطيني الراحل في ندوة جمعت فيصل درّاج وسماح إدريس، وانتهى بأمسية استثنائية مع أميمة الخليل


خليل صويلح
في تلك الأمسية، كان طيف الشيخ عز الدين القسّام، يتجوّل في فضاء مدرج جبلة الأثري بصحبة صوت ريم الكيلاني. المغنيّة الفلسطينية التي استعادت الموروث الفلسطيني بإيقاع آخر، حيّت في مستهل أمسيتها روح القسّام الذي خرج يوماً للقتال في فلسطين واستشهد فوق ترابها سنة 1935. هكذا حضرت فلسطين طوال أيام «مهرجان جبلة الثقافي» الذي أهدى دورته الخامسة إلى «القدس عاصمة الثقافة العربية 2009». واستعاد صورة المفكر الراحل إدوارد سعيد في ندوة تكريمية أدارها ثائر ديب وشارك فيها فيصل درّاج وسماح إدريس. الندوة لم تخل من سجالات حادة، نظراً إلى تعدد وجوه صاحب «الاستشراق». إذ رصد درّاج مفهوم إدوارد سعيد للمثقف، وأوضح أنّ هذه الصورة شديدة التحوّل، ذلك أنّ الأكاديمي الفلسطيني الراحل كان أقرب إلى تصورات غرامشي للمثقف العضوي منه إلى المثقف التقني الذي لطالما هجاه في كتاباته.


كيف يشحّ الشعر عن تظاهرة، أبوها الروحي أدونيس؟
هذا الكائن الذي يمارس لعبةً معقّدة وملغّزة تنهض على فلسفة المسافة بين القارئ والنص، وإذا بالثقافة تتحوّل أداةً لصناعة الإذعان وتصدير هذه الثقافة المسيطرة لترويض الرأي العام. وتوقّف درّاج عند محطاتٍ أساسية أسهمت في صوغ أفكار سعيد، تبعاً لمرجعياته المتحوّلة، بين فرانز فانون، وامبرتو إيكو، وميشيل فوكو، ليشرّح بإمعان فكرة العلاقة بين المعرفة والسلطة، وضرورة المقاومة الثقافية والانخراط في تطلّعات الشارع الراهن، ولفت الناقد الفلسطيني إلى أنّ إدوارد سعيد لم يكن على صواب دائماً، إذ كان يقتبس من دون تفكّر، مفتوناً بمقولات برّاقة سرعان ما تطيحها فكرة أخرى. من جهته، تناول سماح إدريس رؤية صاحب «خارج المكان» للقضية الفلسطينية عبر مقولات وصلت إلى حدود اليوتوبيا، فتارة يطالب بحقوق متساوية بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وطوراً يهجو اتفاقية أوسلو، تدرجاً إلى فكرة المواطنة، وإيجاد طريقة سلمية للتعايش بين الشعبين، وعدم إنكار «المحرقة»، و«النكبة» وتغذية الذاكرة الجماعية بإنشاء إعلام أخلاقي يُظهر للعالم ما ارتُكب ضد الشعب الفلسطيني من جرائم. في نقده لأطروحات سعيد، رأى سماح إدريس أنّ تطوير نموذج أفضل للكفاح المسلّح، يبدو مهماً وضرورياً لمواجهة إسرائيل، وقال إنه يتبنى أطروحة عزمي بشارة بأنّ الغرب لن يقتنع بوجودنا إلا بخسائر لإسرائيل.
الندوة الثانية التي استضافها المهرجان كانت بعنوان «التنوير في الدراما التلفزيونية» بمشاركة بسام كوسا والسيناريست نجيب نصير، تحدثا عن العقبات الرقابية التي تواجه الأعمال التلفزيونية التي تتطلع إلى تقديم جرعة تنويرية، وسطوة الرقابة الشعبية التي تفوق أحياناً مقص الرقيب الرسمي إلى حد توقيف عرض بعض الأعمال المهمة، إضافة إلى تأثير المال الخليجي على التوجّهات الجديدة للدراما السورية.
الأمسيات الشعرية الثلاث التي رافقت أيام المهرجان، كانت مخيّبة للآمال. إذ تناوب شعراء بالجملة على المنصة، إلى درجة الضجر، رغم اهتمام أدونيس (الأب الروحي للمهرجان) بحضور الأمسيات كلها. ولولا مشاركة الشعراء محمد علي شمس الدين، وحازم العظمة، ونجوم الغانم، لما بقي شيء من الشعر. هالة العبد الله كانت هناك مع فيلمها «هيه... لا تنسى الكمون» لكن ضيق الوقت لم يتح لها مناقشة الشريط مع الجمهور، فسافرت في اليوم التالي. كما سنلتقي يوسف عبدلكي في ردهات المهرجان. إذ شارك بلوحتين من أعماله القديمة في المعرض الجماعي الذي أُقيم، ونعتقد أنه فوجئ بمستوى الأعمال المشاركة مع وجود بعض الهواة. وعلى شاطئ البحر، كانت ورشة للنحت تعمل في الهواء الطلق بأعمال نحتية مستوحاة من تاريخ المنطقة، ويُنتظر أن تتوزع هذه النصب شوارع البلدة وساحاتها.
المهرجان الذي تقيمه «جمعية العاديات» في جبلة، ويديره جهاد جديد، كان ختامه مع أميمة الخليل التي استقطبت جمهوراً زحف إلى المدرج الروماني، ليعيش أمسية استثنائية لم تنقصها الحماسة.