نصف قرن والسياسة تنافس الشعوذة على استلاب روح الحاضر. إلى هذا الحيّز من دراسة التركيبة الاجتماعيّة، يأخذنا الكاتب السوري في «القمقم والجني» (الكوكب ــ الريّس). بحثاً عن جذور الأزمة من خلال تحوّلات حارة حلبيّة


حسين السكاف
يبدو أنّ مصطلح «الزمن اللقيط» الذي يطلقه بعضهم على حاضرنا ـــــ الذي يسعى بكلِّ قوَّته نحو الانفلات من دائرة التاريخ ونكران جذوره ـــــ كان الدافع الرئيس الذي حفَّزَ الكاتب السوري محمد أبو معتوق على كتابة روايته «القمقم والجني» (الكوكب ـــــ دار رياض الريس). هنا، الزمن الحاضر ليس لقيطاً، بل ثمرة تراكمات تاريخية سعت إلى استلاب روح الحاضر ومحو ذاكرته، لتصنع منه كائناً هلامياً مشوّهاً.
الراوي مصرٌّ على أن السويّ والمنحرف، كلاهما صنيعة مظاهر وتقلبات لها جذورها التاريخية الراسخة. أكثر من ثلاثين شخصية توزعتها صفحات الرواية لتجسِّد لنا صورة الحاضر الذي بات غريباً، صعباً، أو ربما، لا يطاق. شخصيات بين الضحية والجلاد، المهزوم والمنتصر، المحب والمنتحر، بُنيت بمادة التراكمات والموروثات والتطورات السريعة. يبدو أن محمد أبو معتوق قد شرع بداية الأمر بكتابة سيناريو لمسلسل تلفزيوني، تحوّل بفعل الهم البحثي عن تركيبة المجتمع إلى عمل روائي يسهل تناوله تلفزيونياً.
إضافة إلى إظهارها التباين الفكري الشاسع بين الأغلبية التي تؤمن بالسحر والشعوذة والأحلام معتمدة على بساطتها وخدرها الفكري، وبين أفكار بعض العقول المتعلمة، أظهرت الرواية التغيّرات التي طرأت على المجتمع بعدما تغلغلت السياسة داخل نسيجه. قوى أمنية من مخبرين ورجال شرطة تنتشر في زوايا الحياة اليومية المعيشة، في تحولات قد تؤدي غالباً إلى نتائج كارثية.
تعتمد الرواية على ثلاث شخصيات رئيسة. ثلاثة أصدقاء ينتمون إلى حارة «المغايرة» إحدى حارات مدينة حلب. بعدما جمعتهم الحارة والمدرسة وأحداث البلد المتلاحقة والتطورات السياسية، يربطهم الراوي بفتاة جميلة جريئة، هي عفراء الحبّال. الأول، قيس الأشوص، يتزوج وحيدة الحبّال بعدما فشل في استمالة أختها، فيفشل في إتمام طقوس الزواج وتهرب زوجته منه، ويتخذ على أثر ذلك من الدين والفتوى سلاحاً لحمايته. الصديق الثاني محمد المغربي شاب شهم، يفتدي أبناء حارته حين ينشب نزاع بينهم وبين أبناء الحارة المجاورة، ثمّ يدخل الجامعة متخذاً من الهندسة حلماً لبناء العالم. أما الثالث، وهو بطل الرواية، عبد العزيز السيوفي، فيتيم تربّى في كنف أمه المتميزة بمعرفتها القراءة والكتابة ما شجّعها على فتح مدرسة كتّاب لتعليم أولاد الحارة. تحول البطل من خريج كلية آداب، إلى ضابط شرطة يهتم بتفصيل وتبويب التقارير الصادرة له من المخبرين ومن ثم التحقيق مع من أوصلتهم تلك التقارير إلى المعتقل. البطل نفسه، يقتل سهواً صديقه ومنافسه في الحب محمد المغربي في أول مسدس يتسلمه من مركز الشرطة.
الرواية زاخرة بالخيال والسحر والغيبيات والأحلام، التي حاول الراوي ربطها بأسلوب ساخر لا يخلو من المرارة بواقعية أحداث روايته. حالات الجزع والإحباط واستحالة التغيير من دون قرارات حكومية، دفعت بالناس إلى انتظار حلول سماوية تنقذهم. لذا جعل الراوي من الحجابات والتعاويذ المنثورة على أسطح منازل الحارة، محفّزاً غيبياً على الانتباه والتفكير بحلول لمشاكلهم.
قسَّم محمد أبو معتوق روايته إلى قسمين. يبدأ الأول في النصف الثاني من القرن الماضي وينتهي مطلع السبعينيات، حين دخلت السياسة ورجالاتها في صميم البناء الاجتماعي. فنجد أن سلطة المختار قد غابت وحل محلها الشرطي والمخبر حتى صار المختار جزءاً من النظام. أما في القسم الثاني فيجد القارئ نفسه أمام بطل الرواية وقد صار أباً لفتاة في الخامسة والعشرين من عمرها، كما صار برتبة مقدم في جهاز الشرطة السرية. تزوج عفراء الحبّال التي تركته بعد فترة من ولادة ابنتهما الوحيدة على أثر اعترافه لها بقتل صديقه محمد المغربي، ليتزوج بعد ذلك شقيقة أحد سجنائه الذي مسّه الجنون والكآبة جرّاء التعذيب.
ينهي محمد أبو معتوق روايته «القمقم والجني» وهو يصوّر لنا مضاجعة بين بائعة هوى، مدام اشتعال، ومهرِّب، هو والد عبد العزيز السيوفي في أحد كهوف حي المغاير الحوّارية. مشهد مسرحي يرسم لنا ديكور المشهد الخاص بعيادة الطبيب النفسي وهو يعلن زواج ابنة السيوفي بأحد سجناء والدها. رواية تدعو إلى دراسة جذور الخراب بدلاً من السخط على الأرواح المُخَرَّبة.