بيار أبي صعب

الضجّة التي أثارها أدونيس خلال زيارته الأخيرة إلى كردستان، حيث عاد إلى موّال «انقراض الحضارة العربيّة»... ثم المنهج الذي تحصّن به للردّ على منتقديه، كاشفاً في احتجاجاتهم عن «رواسب عنصريّة وسياسيّة ــــ أيديولوجيّة من طبيعة دينيّة ــــ مذهبيّة» («السفير، 6/ 5/09)... تضعنا وجهاً لوجه مع صورة أدونيس الأخرى التي يتشبّث بها، ظلماً، خصومه، إذ استبدلوا بأيقونة «الرائي» كاريكاتور «المسيح الدجّال». هل تخفى على «مهيار» حقّاً رمزيّة المكان الذي استعاد فيه دور العرّاف ترزياس؟ أربيل ليست أرضاً محايدة، في ظلّ مشروع تقسيم العراق، بمعزل عن سعي الأكراد المشروع للحصول على حقوقهم، بعد طول اضطهاد، في إطار دولة موحّدة وديموقراطيّة وتعدّديّة. أما الانحطاط العربي الذي يصرّ على اعتباره «انقراضاً»، وهو نتيجة أزمة سياسيّة وفكريّة وحضاريّة عميقة بلا شكّ، فيتناوله ببراءة كأنّه شاهد آت من زمن آخر، أو قاض مقيم في عالم الغيب. ينسى أنّه يتحمّل، بشكل من الأشكال، قسطاً من المسؤولية عن ذلك الانحسار الحضاري... وأن المثقفين، وهو شيخهم، متواطئون مع السلطات البائسة التي حجبت عنّا النور عقوداً طويلة، وباعت حقوق شعوبها، وغذّت بالقهر والفساد والجهل وحش الأصوليّة. زميله في حرفة الكتابة فاتسلاف هافيل قبع طويلاً في السجون والمخابئ السريّة، قبل أن يقلب نظام الحكم في بلاده، ويصل إلى قصر براغ. مواطنه ميشيل كيلو ما زال في ظلام السجن إلى اليوم. أدونيس فضّل أن يترجم أشعار دومنيك دو فيلبان، ويتغزّل بـ«برج العرب» في دبي. هذا حقّه طبعاً. لكنّ انهيار حضارة ما، كما علّمنا صاحب «الثابت والمتحوّل»، هو قبل كلّ شيء سقوط عظمائها.