في «تفريغ الكائن» (المؤسسة العربية للدراسات والنشر)، يرفض الكاتب السوري من خلال بطله أنّ يتم تدجينه ليصبح واحداً من القطيع


حسين بن حمزة
منذ الصفحة الأولى في «تفريغ الكائن» (المؤسسة العربية للدراسات والنشر)، يكشف الروائي السوري، المقيم في باريس، خليل النعيمي خطته السردية للقارئ، أو بالأحرى نوعية ومذاق السرد الذي سيحكم الرواية بأكملها. «هذا المساء أريد أن أحكي. أريد أن أبكي. أن أبحث عن نفسي بين الأنقاض». يقول بطل الرواية في ما يشبه تمهيداً لاعتراف طويل تُروى فيه سيرة شخصية أو أجزاء مفصلية منها. استخدام ضمير المتكلم والنزعة الاعترافية،، لن يتأخرا عن وسم لغة الرواية بمزاج هذياني وعيادي. بدلاً من أن نقرأ حكاية بأحداث وشخصيات ونبرات مختلفة نجد أنفسنا أمام مونولوغ متدفق وطويل للبطل ـــــ الراوي الذي يحمل اسم المؤلف نفسه. الرواية تدور بين البطل وذاته، وبينه وبين زوجته. نقول تدور، لكنها في الحقيقة لا تدور سوى في اللغة. الرواية تحدث بعد أن تكون الأحداث (القليلة) قد انتهت. ثمة ماضٍ أول يتجلى في ذكر مواضع ومناخات في مسقط رأس المؤلف ـــــ الراوي في منطقة الجزيرة شمال شرق سوريا. وهناك ماضٍ ثانٍ يتمثَّل في الفترة التي قضاها في دمشق. وهناك، أخيراً، الحاضر الذي تبدأ به الرواية، فتذهب منه إلى الماضيين السابقين وتعود إليه. الرواية تركِّز على الماضي الدمشقي لأنّه شهد لقاء البطل بالمرأة التي ستتقاسم معه الحياة والرواية معاً، علاوة على خدمته العسكرية التي تزامنت مع حربٍ لا يحدد تاريخ نشوبها بدقة. الرواية، بهذا المعنى، محاولة لفهم الذات، نقدها ونبشها وتعريتها، عبر استعادة حياة سابقة ووصلها بالحياة الراهنة. المونولوغ الطويل للراوي موجَّه إلى الزوجة، يُخترق بحوارات متبادلة بينه وبين الزوجة. لكنّ ذلك لا يغير الكثير في لغة الرواية التي تحافظ على نسقها الهاذي والذهني. الحوارات، وبعض التفاصيل الواقعية الأخرى، هي مجرد أحجار صغيرة في هيكل الرواية المصنوع من التدفق اللغوي الهادر. صاحب «القطيعة» سبق له أن استخدم هذا النوع من السرد القائم على لغة هاذية ومتدفقة، لغة قائمة، بدورها، على نبرة ذهنية وفلسفية تخلط معتقدات البطل واستنتاجاته الشخصية مع وقائع ومنعطفات تدخَّلت في صوغ هذه المعتقدات والاستنتاجات. المشكلة أن المعتقدات كثيرة والوقائع قليلة، وهذا يجعل الرواية أشبه بكتلة هائلة من اللغة الذهنية والتفلسف الشخصي.
مطلاً على «السين» في بناية باريسية، يكشف الراوي نفسه وحياته للقارئ على مرأى ومسمع من زوجةٍ لا تخفِّف ردودها عليه من تدفُّق المونولوغ الأساسي. القارئ يأمل بأن تساهم الزوجة في تبطيء لغة الرواية أو تعديل حِدَّتها الذهنية والفلسفية، لكن كيف سيحدث ذلك إن كانت لغة الزوجة شبيهة بلغة الراوي؟ لعلنا لن نكون مخطئين إن أحسسنا بأن ما يسيِّر الرواية هو اللغة. وهي لغة تطرد القارئ أو تجعله متفرِّجاً سلبياً على الأقل. الراوي نفسه يعترف بما يؤكد هذا الإحساس: «تنفَّس قبل أن تحكي» يقول، لكنه لا يطبِّق هذه القاعدة في لغته اللاهثة وغير القابلة لالتقاط الأنفاس. هكذا يصبح سهلاً أن يتراشق البطلان بمفردات ومصطلحات كبيرة: في أحد الحوارات، تقول الزوجة: «مأساتك أنك اعتقدت نفسك جذرياً، واعتقدت أن هذا أمرٌ مفروغ منه. وليس ذلك في الواقع إلا صيغة جوفاء. آلة الحياة تطحن الصيغ طحناً. ولم تدرك، مع الأسف، أن الجذرية (إذا وجدت) ليست أكثر من حدثٍ عابر، أو بالأحرى معطى دائم التغير...». أما هو فلا يكفُّ عن ابتكار خلاصات شخصية و«أقوال مأثورة» كأن يقول: «ما لم يهزمنا وهو كبير، في المرة الأولى، يمكن أن يهزمنا وهو صغير، في المرة الثانية». وحتى الممارسة الجنسية التي تجمع بين الطرفين في لحظة الحرب تُوصف بلغة مشابهة. يقول الرواي: «.. وأحسُّني أتسلّل إليك. أدخلُ أهوازكِ السرية. أتسلّّق تعاريج جسدكِ المستثار...».
أحياناً، يستعيد الراوي مشاهد وذكريات من ماضيه البعيد وحاضره القريب، ولكن ليس بما يكفي لجعل الرواية ملموسة ومبسَّطة للقارئ. اللغة تظل حاضرة بكثافة على حساب الواقع الذي بالكاد يتراءى بين سطور اللغة المحلّقة بجناحي التفلسف الشخصي والدراما الذهنية. الواقع القليل يشير إلى أنّ البطل ترك دمشق إلى مدريد ثم باريس. والرواية محاولة لفلسفة كل ذلك. أما عنوانها، كما سيتّضح، فهو رفض الراوي لـ«تفريغه» كـ«كائن»، أي تدجينه ليصبح واحداً من القطيع.