خليل صويلح

من يقرأ قصص رشا عباس «آدم يكره التلفزيون» (احتفالية «دمشق عاصمة الثقافة العربية 2008»)، سيجد نفسه مشدوداً إلى مناخات لم تصادفه قبلاً في القصّة السورية. هنا قصص عابثة وساخرة حقاً، لكنّ هذه السخرية ليست مقصودة بحد ذاتها، بل تفرضها طبيعة السرد التي تبدو أقرب إلى الارتجال أو الهذيان. تتهكّم عباس على جيلها وعلى كيفية تفكيره في الجنس الآخر، عبر تفكيك الشفرات السريّة التي يستعملها هذا الجيل، لتحقيق ما يرغبه أو يود التعبير عنه. لن نجد في القصص مفاتيح واضحة أو توطئة أو أمثولة، إنما يوميات شباب ضائع ومدّعٍ، فتكسر شروط اللعبة السردية على هواها، وإذا بها تكشف «عينات» لم يلتفت إليها أحد بمثل هذه الدقة والفحص، مدفوعة بقدرة بصرية مذهلة على تركيب أحداث يومية وعابرة مما لا يصلح عادة لبناء متن قصصي محكم: إعلانات الصحف، برامج الإذاعة، الإنترنت، أماكن السهر، العلاقات الغرامية العابرة. سنتعرف أولاً إلى شابة تحلم بالزواج من جنرال، ثم تغيّر رأيها وتقرر الارتباط براقص فلامنكو، قبل أن تصل إلى النتيجة الآتية «تزوجي جنرالاً ثم خونيه مع راقص فلامنكو». وتختزل شخصاً يدعى يوسف بأنّه «لا يشبه أغنية ولا حتى جواربي المخططة». بهذه الانتقالات في الوصف، تنشئ رشا عالماً كاملاً من المفارقات التي تبدو للوهلة الأولى غير مترابطة، كأن من يكتبها شخص مخمور أو «محشّش». تقول عن امرأة مات زوجها للتو بأنها لم تعد تشبه «نظرة الأرنب الخشبي التي تبدو على وجوه الحزانى في الأفلام حين يموت أقاربهم وكلابهم».
لن نجد شعارات نسويّة وما شابه في قصص المجموعة، أو مآسيَ حريمية اعتدناها في كتابات الأخريات، ذلك أنّ رشا تطيح التوقعات في مسار السرد، وتصيد عصفورين معاً، في خلخلة البنى التقليدية للكتابة من جهة، واختراع مجاز حياتي يتماهى مع لحظة راهنة من جهة ثانية «تجاوز حسين فتاتين وثلاثة أولاد ولوحة لستالين حتى يمسك يدي... أرنستو تشي بنفسه كان خلفنا على الجدار الأصفر مؤطّراً بأربعة أعواد قصب وثلاثمئة عام من السيجار».
القصص التي ترويها رشا عباس بضمير المتكلم غالباً، تكاد تكون متوالية روائية، أو مدوّنة لشابة تكتب يومياتها من دون اهتمام ببلاغة تتطلبها الحكاية عادةً، فتذهب إلى صوغ حياة موازية وافتراضية، تعرّي «أبطالها» بمنتهى السهولة، وبضربة مباغتة. رشا عباس حفيدة شرعيّة لزكريا تامر، وإن جاءت من مقلبٍ سردي آخر.