بعد سنة ونصف من الرصد المتواصل، أصدرت جمعية «مهارات» تقريرها السنوي الأوّل عن حرية الإعلام في لبنان. والنتيجة لم تكن مطمئنة...


ليال حداد
«الإعلام اللبناني حرّ... جزئياً». هذا ما توصّل إليه تقرير «حرية الرأي والتعبير في لبنان ـــــ عام 2008» الذي أصدرته جمعية «مهارات» بالتعاون مع «مكتب الأونيسكو الإقليمي ـــــ بيروت» وعرضته أمس، في مقرّ المنظمة الدولية.
بهدف تقويم واقع الإعلام اللبناني في العام الماضي، لجأ «المرصد الوطني لحرية الرأي والتعبير» ـــــ أطلقته «مهارات» و«الأونيسكو» عام 2007 ـــــ إلى استطلاع للرأي شمل 61 صحافياً لبنانياً من وسائل إعلامية مختلفة، إضافة إلى تقويم مجموعة مؤشرات اعتبرها المرصد مقياساً للحرية الإعلامية.
هكذا، وضع المرصد 24 مؤشراً، 16 منها جرى تحديدها بعد دراسات قانونية، إضافةً إلى عمليات رصد طويلة ـــــ استمرّت أكثر من سنة ـــــ أمّا المؤشرات الثمانية الباقية، فحدّدها الصحافيون المستطلَعون.
ولعلّ مفاجأة التقرير كانت بما صرّح به الصحافيون. إذ أقرّ 90.2 في المئة منهم بممارسة رقابة ذاتية على المواد التي يقدّمونها. كما أكّد جميع المستطلعين أنه لا وجود للاستقلالية والموضوعية في ممارسة عملهم. وانتقد 88.5% منهم التنظيم النقابي فيما قال 72,1% إنهم لا يتمتّعون بحصانة مهنية.
لكنّ المفارقة لم تكن فقط في تصريحات الإعلاميين، بل في المؤشرات الباقية. إذ أعلن التقرير أنّه لا قيود قانونية أساسية تعوق حرية الرأي والتعبير. غير أنّ التقرير نفسه عاد ليناقض هذه الفكرة، فذكر في بابه الرابع أنّ «مراجعة النصوص القانونية المتعلّقة بالمطبوعات في لبنان تبيّن أن هناك قيوداً على حرية التعبير والطباعة... وتتعارض مع المفهوم الواسع لحرية الرأي والتعبير المنصوص عنه في المواثيق الدولية التي صادق عليها لبنان...». وأبرز هذه العوائق ـــــ بحسب التقرير ـــــ هي تقييد حرية إصدار المطبوعات، والرقابة على الصحافة الأجنبية ووثيقة البث الفضائي العربية التي أثارت جدلاً واسعاً يوم طرحها في شباط (فبراير) 2008... وهنا طبعاً تجدر الإشارة إلى أنّ هذا القانون اللبناني نفسه ـــــ قانون الإعلام المرئي والمسموع تحديداً ـــــ أسهم في تدهور الوضع الإعلامي من خلال توزيع رخص لإنشاء محطات تلفزيونية لزعماء الأحزاب والطوائف.
إضافةً إلى القيود القانونية، حمّل التقرير وسائل الإعلام مسؤولية تفاقم الأزمات وتأجيجها وأعطى مثالاً على ذلك أحداث 7 أيار (مايو) 2008. التدخّلات والممارسة السياسية هي إذاً أحد أسباب تقييد الإعلام، وخصوصاً في عام 2008 الذي تخلّله أكثر من حادث وتصادم أمني بين اللبنانيين.
ونتيجة لكلّ هذه المؤشرات، خلص التقرير إلى أنّ معدّل حرية الرأي في لبنان هو 52,3%. ويدخل هذا الرقم وفقاً لتصنيفات المرصد ضمن خانة «حرّ جزئياً». طبعاً، هذه الخلاصة لا تبدو بعيدة عن الواقع في ظلّ ما نراه من تجاوزات يومية وتشويه للحقائق في أكثر من وسيلة.
دقّ المرصد ناقوس الخطر وأعلن «سقوط ورقة التين»، وصنّف في ختام التقرير الإعلام اللبناني كـ«صحافة عالم ثالث بكل ما للكلمة من معنى: تبعية، وغياب الحرية الفكرية عند غالبية الصحافيين وفقدان صدقية، وغياب الدور النقدي...». لكن هل يجوز هذا التعميم وهل تصحّ هذه الخلاصة القاسية لاستطلاع رأي شمل 61 صحافياً فقط (علماً أنّ عدد العاملين في أصغر وسيلة إعلامية يتجاوز هذا العدد)؟ هل يمكن اعتبار وسائل الإعلام والعاملين فيها الذين ينتمون إلى خطّ سياسي معيّن انتقاصاً من قيمة حرية الصحافة؟ ثم في ظلّ هذه النتيجة، ما هي الحلول للنهوض بالإعلام؟ ومن يتحمّل مسؤولية هذا التدهور مع سيطرة رأس المال السياسي على مختلف الوسائل؟