من «أناشيد التراب» إلى«أرض أخرى»، ظلّ مسكوناً بـ «اللجوء» الذي لم يمنعه من تناول قضايا وجوديّة. معرضه الجديد مستلهم من قصائد إبراهيم نصر اللّه


أحمد الزعتري
في آخر محاولة لسبر أغوار انطباعيّة فان غوغ، وجد باحثون أنّ الفنان الهولندي كان يعاني ضعفاً في البصر. لذلك، ظهرت لوحاته على هذا الشكل. ما زال العلم عموماً مشغولاً في فهم معجزة الخيال البشري وتفكيك آليات العمليّة الإبداعيّة. انطلاقاً من هذه المعجزة واستناداً إليها، أنجز الفنان التشكيلي الأردني محمد نصر الله معرض «مرايا ترابيّة»، الذي افتتح أخيراً في «غاليري دار المشرق» في عمّان. تقع تجربة نصر الله (1963) في منطقة مغايرة للمشهد الفنّي الأردني لسببين؛ أوّلهما عزلته التي يندر أن يخرج منها، وعندما يفعل (سيكون ذلك لحضور معرض فنان آخر من باب المجاملة)، سيحادثك بودّ وهدوء نادرين، وستتخيّل عندها أنّه يرسم بالطريقة نفسها: للصمت مساحات هائلة في لوحته والألوان غير تعبيريّة، إن جاز الوصف (البنّي، درجات باهتة ومتروكة من الأزرق والأخضر). السبب الثاني أنّ تجربة نصر الله تبدو كأنّها غير معنيّة بالتجريديّة الصرف، وهي المدرسة السائدة في الفن التشكيلي الأردني بامتياز، إذ رغم أنّ التشكيل عموماً في المنطقة هو فنّ نخبويّ، إلا أنّ هذه المدرسة لم تنتج روّاداً من ذوي البصمة الواضحة التي يمكن أن تؤثّر في هذا المجال.
لكن هل نستطيع أن نقول عن تجربة نصر الله إنّها واضحة؟ منذ عام 1989، اشتغل الفنان بهدوء على لوحة غير متكلّفة، يحتل فيها الفراغ أجزاءً كبيرة، ومن دون مزج عبثيّ للألوان. هذا الالتزام الفنيّ ترافق مع مواضيع غير ذاتيّة على الأغلب. من «أناشيد التراب» إلى «طيور وفزّاعات»، و«فضاء آخر» و«أرض أخرى»... ظلّ نصر الله مسكوناً بهاجس اللجوء، وهو المولود للاجئين فلسطينيين في مخيم الوحدات في عمّان، منطلقاً منه إلى قضايا وجوديّة.
في هذا المعرض، ينذر الفنان رؤيته البصرية لأسلوب نخبويّ بامتياز، كيف لا وهو يحاور الشِّعر باللوحة. هنا استلهم 26 لوحة من مجموعة شعريّة لشقيقه الشاعر والروائي إبراهيم نصر الله بالعنوان نفسه. يغلب على اللوحات البنّي: لون الرمل. وهذا ما استعمله نصر الله حقاً. الخلفيّة مرصوفة برمل البناء. يترك الفنّان نصف اللوحة على ترابها، ويُشغل بالباقي: خشب وقماش جينز على هيئات آدميّة بلا عيون. وعندما تسأله عن الطريقة التي اشتغل عليها، يرفض الإجابة بحجّة أنه «سرّ».
تطالعك لوحة «ذراع» (مواد مختلفة ـــــ 80 × 80 سنتم) من وحي قصيدة بالعنوان نفسه «في التراب ذراع/ وخصرٌ من الطين لم يكتمل/ سنقلّب خمسين أغنية وبلاداً تطل على ألف بحر..». الذراع من خشب، والمخلوق الذي ينظر في الأفق من دون عينين يرتدي جسداً من قماش الجينز، أما الشيء الحيّ الذي يمكن ملاحظته في اللوحة، فهو عصفور يستقرّ على ذارعه الخشبيّة الأخرى.
لكنّ الأمر ليس بهذه البساطة التعبيريّة. عندما تكون القصيدة «جياد»، ستكون اللوحة بالعنوان نفسه (مواد مختلفة ـــــ 40 × 80 سنتم) عن مخلوق خشبيّ يخترق أرضاً بنيّة داكنة، وسماءً من الرمل. وعندما تكون «أصابع»، ستكون اللوحة (80 × 80 سنتم) ذات حسّ تجريديّ عالٍ، من خلال آدميّ مشوّه من الكرتون والرمل بلا أصابع. أما «خيام»، فاللوحتان (80 × 30 سنتم) تختبران الأفق حيث كل شيء عريض: الوجه والسياج والخيام نفسها: «وخيامٌ من الريح.. تحملنا للمكان الجديد ونحن هنا».
يقول نصر الله عن هذه التجربة إنّ «القصيدة هي التي تحرّضني دائماً على تحوير الأشكال بطريقة غير مألوفة بكل حالاتها الإنسانيّة، مانحةً إياي الحرية في تأسيس المشهد وبعثه من جديد». لكن لا يمكن الحديث عن «فتحٍ» في العلاقة بين الشِّعر واللوحة، وخصوصاً في زمننا الذي يمكن لفنان تشكيليّ أن يقع على «موسيقى» لوحته أو «شعريتها» من علبة بيبسي على جانب الطريق مثلاً. هي ليست حاجة إذاً، الأمر يتعلّق بفنّان تشكيليّ أحبّ قصيدة ولم يستطع أن يحبّها كما يجب، فرسمها.



حتى الغد ـــ «غاليري دار المشرق» (عمّان) ـــ للاستعلام: 96265681303