مدينة إنتاج قريباً وإنطلاقة متعثرة للمحطة


وسام كنعان
كان لا بدّ من صدمة توقظ «التلفزيون السوري» الذي غضّ الطرف طويلاً عن نجاح الدراما السورية في العالم العربي. ولعلّ هذه الصدمة كانت الإقبال غير المسبوق على مشاهدة الأعمال السورية، وخصوصاً في رمضان. هكذا، انتفضت المحطة التي بالغت في سياسة البقّال الوحيد في القرية النائية، وصدر القرار بافتتاح قناة متخصصة هي قناة «سورية دراما». إلا أنّه خُطِّط للمحطّة أن تكون السبّاقة في شراء الأعمال السورية وعرضها من دون إنتاجها. أما السبب، فهو وفق ما أعلن مدير المحطة مروان ناصح لـ«الأخبار» «عدم النيّة في إدخال القناة في خضم الإنتاج لأنّ هناك مشروعاً يتمثل في إنشاء مدينة إنتاج درامية ضخمة، مستقلة تتبع لوزارة الإعلام بقوانين وشروط مرنة جداً. وسيكون لقناة الدراما شأن خاص مع هذه المؤسسة وهذا الكلام سيصدر بمرسوم جمهوري قريباً جداً. إذ تتولى هذه المؤسسة قيادة إنتاج الدراما لتحمي هذه المهنة وتحوّلها إلى صناعة».
الأسابيع القليلة التي مرت على انطلاق قناة الدراما ببثها التجريبي جاءت مخيّبةً، إذ تتقصّد إحياء أرشيف التلفزيون العامر بأعمال أنتجها منذ عقد وأكثر، ولم تحظَ بنصيب جيد من المتابعة لا لشيء إلا لمستواها المتواضع. هكذا، بحثت المحطّة عن تلك الأعمال في الأرشيف، ونفضت ما تراكم عليها من غبار لإعادة تقديمها، بمعدل ثلاثة عروض للعمل الواحد يومياً، في رغبة واضحة لتعبئة الوقت. يبرّر مدير القناة هذا الأمر مؤكداً أنّ هذه ليست البداية الحقيقيّة «لم يبدأ الإقلاع الرسمي ونحن نعمد إلى التجريب بهدف اعتماد أسلوب معيّن ولن نضيّع أموالاً طائلة في فترة نبحث فيها عن إجابات عن تساؤلاتنا الضرورية في ما يخص الجمهور». كذلك، فإنّ المحطة تعتمد بث رسائل عبر ما تقدمه من الأرشيف، فهي تبث مسلسلاً تونسياً في نية واضحة للتوجه إلى الأعمال العربية لا السورية فقط. أما عن برنامج «المضحكون» الذي تعرضه القناة، فيرى ناصح أنّه يتفق مع هوية المحطة «نريد أن نقول إنّ هذه عيّنة من توجهاتنا لتناول الدراما عموماً». البرنامج الذي قدمه المذيع الراحل رفيق الأتاسي عام 1996، كان يستضيف مجموعة فنانين أغلبهم انتقل اليوم إلى جوار ربه، ليتحدثوا عن الكوميديا وتتخلل حديثهم مجموعة من المقاطع الكوميدية التي اهترأت لكثرة ما أعادها «التلفزيون السوري» بمناسبة ومن دونها. وربما لن يفهم الجمهور الرسالة التي تعنيها المحطة من خلال هذا البرنامج بسبب حالة الدهشة التي تخلقها الإطلالة المتجددة للمذيع المتوفّى وضيوفه الفنانين الأموات. على رغم أن الوهلة الأولى توحي أن قناة الدراما لن تحيد عن قوالب «التلفزيون السوري» المسبقة الصنع، فهي تفاجئ بكاميراتها كلّ فنان تعثر عليه يجول في أروقة مبنى التلفزيون، لتنتزع منه اعترافاً بسعادته الغامرة لانطلاق فضائيتها. ولعلّ الفنان لن يتوانى عن تقديم إفادته، خشية ربّما من إحالته على مذيع «التلفزيون السوري» علاء الدين الأيوبي في برنامجه الشهير «الشرطة في خدمة الشعب»! ذاك المذيع الذي يخشاه الجميع، قيل عنه ذات يوم إنّه أعطى الميكروفون سطوةً تفوق سطوة الهراوة من خلال استجوابه للمجرمين في برنامجه الخالد!
وعود مروان ناصح تتجاوز الانطباع الأول الذي تتركه مشاهدة القناة، فالمحطة كما يقول ستكون على أهبة الاستعداد للانطلاقة الحقيقية مع مطلع حزيران (يونيو) بدورة برامج جديدة، وبقوة تنافسية مع محطات عريقة، إضافةً إلى النية في الحصول على أعمال درامية وعرضها حصرياً على القناة في شهر رمضان: «في موسم العرض الرمضاني، سيكون حجم الأعمال الجديدة هو الغالب، وسيكون لدينا عروض حصرية لأعمال سورية وبرامج داعمة للدراما، إضافةً إلى عروض أولى للأفلام السينمائية، وستمتاز القناة بجاذبيتها وأسلوب تعاطيها مع الدراما، والميزانية المخصصة لشهر رمضان تسمح لنا بذلك».
من جهة أخرى، أسندت القناة لإحدى الشركات الكبرى مهمة تصنيع شعار خاص بها يحمل بعض ملامح «التلفزيون السوري» كدلالة على انتمائها، إضافةً إلى باقي تفاصيل الهوية البصرية للمحطة.



جحافل الموظفين

ومن الواضح أنّ قناة «سورية دراما» وجدت حلاً لإحدى المعضلات التي كانت تواجه «التلفزيون السوري»، وتفصله سنين ضوئية عن باقي التلفزيونات العربية. وهذه المشلكة هي التضخّم الذي يعانيه في عدد الموظفين، ذلك «الجيش الجرار» الذي يفوق عدده خمسة آلاف «مقاتل». وبدلاً من أن تظهر جحافل الجيش على أيّ من برامج القنوات السورية الثلاث، صار في إمكان بعضهم التخفيف من وطأة وجوده بلا عمل، ليضاف اسمه إلى قائمة العاملين في قناة الدراما. هكذا يبدو أنّ المحطة الجديدة ستعتمد بكوادرها على العاملين في «التلفزيون السوري» بدلاً من استقطاب الخبرات والدماء الشابة. رغم ذلك، يجزم مدير القناة مروان ناصح بأنه من خلال الخبرات المتوافرة في «التلفزيون السوري» يمكن قناته التميّز. وهو ما نأمله عساها تكون ولادة جديدة للإعلام الرسمي السوري.


استقالة مبكرة