رسالة إلى الرئيس الإيراني السابق محمد خاتمي، ومحاضرتان في أوكسفورد والدوحة، في كتاب على شكل مرافعة يقوم بها «الجورنالجي» العربي الأشهر، منتصراً للحوار الحضاري بدلاً من الصدام والانغلاق. ويمرّ صاحب «أوراق الخريف» على 11 سبتمبر وصورة الإسلام في الشمال، قبل أن يخلص إلى ضرورة الحوار مع الذات


محمد شعير
منذ خمس سنوات، أعلن محمد حسنين هيكل «الجورنالجي» ــــ كما يحبّ أن يسمّي نفسه ــــ انصرافه عن الكتابة، متفرغاً لـ «تجربة حياة» على قناة «الجزيرة»، أو معلناً رأياً هنا أو هناك في الأحداث الجارية. وطوال السنوات الستّ، لم يستجب لكثيرين طالبوه بالعودة إلى «القلم» إلا في مناسبات «طارئة». هكذا، كتب مثلاً رسالة مفتوحة إلى الرئيس الإيراني محمد خاتمي يستكمل فيها حواراً بينهما بشأن «صراع الحضارات وأزمة الرسوم الدنماركية». كما ألقى محاضرتين الأولى في «جامعة أوكسفورد»، والثانية في افتتاح معهد الفن الإسلامي في الدوحة. المصادفة وحدها، ربما، جعلت موضوع الرسالة والمحاضرتين متشابهاً: «صراع الحضارات»، جمعتها أخيراً «دار الشروق» المصرية في كتاب بعنوان «على هامش صراع الحضارات: رؤية صحافي».
يرفض هيكل ما يسمّيه بعضهم «الحوار بين الحضارات» بديلاً عن صراعها، لأنّ الحضارة الإنسانية واحدة، تتعدد الثقافات لتصبّ جميعاً في نهر واحد هو «الحضارة الإنسانية». ويلجأ إلى الطبيعة ومفرداتها ليشرح وجهة نظره: «الثقافات كانت بمثابة ينابيع وجداول وأنهار جرت فيها المياه وتدفّقت وفاضت على جوارها الإقليمي. ثم إن هذا الجوار أخذ من هذا الفيض ما كانت مجتمعاته مستعدة لاستعماله لزيادة منافعها وتحقيق أقصى الممكن من مطالبها، ثم إن هذا البحر الذي تلاقى فيه الفيض الإنساني للثقافات المحلية والإقليمية أكمل زحفه وانتشاره حتى وصل إلى المحيط المفتوح أمام كل شراع، وأمام أي ملّاح لديه الجسارة ومعه خريطة وبوصلة». ويشير إلى أنّ عزلة بعض البحار وانغلاقها أو تعطّلها يؤدي بها إلى أن تصبح «مثل البحر الميت» الذي تحوّل إلى «بؤرة ملوحة أو مرارة، معزولة في موقعها، محكوم عليها بالانزواء والفناء».
ويعود هيكل مرة أخرى ليشرح تلك النقطة: «شواهد التطور التاريخي تومئ إلينا بأنّها حضارة إنسانيّة واحدة، صبّ فيها الجميع ما زاد عندهم أوقات الفيض، وسحب منها الجميع ما لزمهم أوقات الجفاف، وساعدوا ــــ كلّ في زمانه ــــ على ملء خزان هائل للحضارة الإنسانية أصبح شراكة طبيعية ورصيداً جماعياً متاحاً بالحق لمن يريد ويستطيع».
محاضرة أوكسفورد جاء عنوانها «شراكة الكل وحق الجميع» ليؤكد بهذا أنّ «الحضارة شراكة ومحيط أنوار» ولا يصح أن تنسينا غلبة القوة شراكة الرصيد الإنساني لمحيط الحضارة فوق أي إمبراطورية أو لغة.
يعود صاحب «خريف الغضب» إلى حدث هام غيّر كثيراً في التاريخ المعاصر: «قبل سنوات قليلة، وقع استغلال فجيعة إنسانية محزنة ضربت مدينة نيويورك في 11 سبتمبر 2001. وبهذا الاستغلال تحولت الفجيعة إلى عملية تلاعب مقصود بالصور وبأسلوب خداع البصر، فإذا العالم يفاجأ بأن صورة المسلم ـــ عربياً وغير عربي ـــ قد أزيحت لتحل محلها صورة المتعصب الإرهابي». وتحت ضغوط المصالح المتصارعة، يجري ترسيخ هذا التلاعب بالصور إلى حدّ «إعادة كتابة قصة الإرهاب في التاريخ. فإذا بالشمال بريء منه، وإذا الشرق الأقصى بعيد عنه، وإذا بالدين الإسلامي وحده مرادف للانتحار والقتل في المخيلة العامة الشائعة في الشمال».
ويقدم هيكل العديد من الأمثلة التي توضح الانحيازات الغربية ضد العرب والمسلمين، داعياً الإعلام الغربي إلى «استذكار درجة من ثقافة الإدراك والتعاطف والموضوعية». ولا ينسى أن يقدم على الجانب الآخر أمثلة على «المواقف الإيجابية للإعلام الغربي» و«يقظة ضمير بعض أفراده». إذ «رغم سطوة أصدقاء إسرائيل، فإن بعضاً من الحقيقة ظهر وبان عن قضية الشعب الفلسطيني الذي اقتُلع من أرضه وأزيح إلى معسكرات وغيتوات مقهورة يائسة. كما أن حقيقة ما جرى في العراق تكشّفت ابتداءً من غزو وطن عربي وتمزيقه بغرور وجهالة القوة وبذرائع مختلفة. ثم إننا بفضل تلك الضمائر اليقظة في الشمال، عرفنا ما جرى في معاقل القهر من غوانتانامو إلى أبو غريب».
لا يعفي هيكل العرب والمسلمين من المسؤولية. من سوء الحظ أنّ «الثقافة العربية الإسلامية المعاصرة بتأثير ما ترسّب فيها من شوائب وعوالق، وما أصابها من ضعف ووهن، وما لحق أصحابها من عقد بسبب طول مقاساة غلبة الفاتحين وسيطرة المستبدين، كانت مهيأة على نحو ما لمحاولة الإقصاء والاستبعاد من شراكة الحضارة. كما أنّ العرب عندما قبلوا فكرة صراع الحضارات أو حتى حوار الحضارات بالمنطق الذي قُدم إلينا، فإننا سلّمنا بالقسمة، أي إننا تنازلنا عن الشراكة من أول لحظة. ودخلنا في حوزة الآخرين وعلى جدول أعمالهم». يقترح هيكل لتجاوز الأمر أن تكون البداية حواراً مع الذات «نعرف فيه بالضبط من نحن؟ وأين نحن؟ وماذا نريد؟». يجيبنا: «تجنّب فخاخ الاستدراج والاستنزاف بسبب ما يفعله آخرون من أصحاب الغرض في الإقصاء والاستبعاد، هؤلاء الذين تنبهوا بسرعة إلى ما لحق بالعقلية العربية الإسلامية جراء عصور القهر والظلام، فإذا هم يحاولون تثبيت الانكسار وتعميقه في العقل وفي الإرادة، والسبيل إلى ذلك استثارتهم بين الحين والآخر، بما يدفعهم أكثر وأكثر إلى عزلة البحر الميت وملوحة مياهه ومرارتها».